جريدة الإتحاد - 1/7/2026 10:38:32 PM - GMT (+4 )
منذ أن بدأ الإنسان يطرح أسئلته الأولى، كان يعتقد أن الكون موجود هناك، في الخارج، مستقلاً عنه، لا يهتم بوجوده، ولا يتأثر به، ولا يتشكّل عبره. كان الإنسان يرى ذاته نقطة صغيرة في فضاء بارد لا عقل له. لكن العِلم بشكل مدهش وغير متوقّع بدأ يقترح عكس ذلك تماماً، والإشارة إلى أن الكون ليس مجرد امتداد فيزيائي للمادة، بل مرآة معرفية تستجيب للوعي، وتنحني أمام المراقبة، وتظهر خصائصها فقط عندما ننظر إليها.
السؤال يبقى: هل الوجود نفسه مصمَّم ليتفاعل مع العقول، لا مع الجسيمات فقط؟ فأول من تحدّث في صورة الكون الموضوعي كان علماء ميكانيكا الكم. ففي التجارب الأساسية مثل تجربة الشّق المزدوج، يظهر الجسيم كموجة عندما لا نراقبه، ويتحول إلى جسيم عند الملاحظة. وكأن الكون ينتظر حضور الوعي ليقرر كيف يتجسّد. هذا ليس تأويلاً خيالياً، بل نتيجة تجريبية تتكرّر منذ مئة عام. كيف يمكن لجسيم صغير أن يعرف أننا نراقبه؟ أو أن يغيّر حالته بناءً على قرار ذاتي؟ هذا السؤال دفع كبار الفيزيائيين مثل بور، هايزنبرغ، وويلر إلى فكرة جريئة: وهي أن الوعي ليس متفرجاً على الكون، بل جزءاً من معادلته.
الكون لا يكشف نفسه إلا حين نقوم نحن بفكّ شفرته. وما لا نراقبه يبقى احتمالاً. ثم جاء المستوى الكوني ليعمّق المفاجأة. فالكون مضبوط بدقة استثنائية: ولو حدث تغير ثابت الجاذبية بنسبة جزء من تريليون، لما وُجدت نجوم. ولو تغيّرت الطاقة المظلمة قليلاً، لانكمش الكون أو انفجر قبل أن يتشكّل أي شيء. هذا الضبط الدقيق جعل العلماء يتساءلون: هل الكون جاء من تلقاء ذاته بصدفة، أم مُصمَّماً؟
إن الوعي يلعب دوراً أعمق مما نتخيل؟ نظرية «الكون القابل للحساب» التي طرحها جون ويلر تقول: «الكون ليس آلة، بل سؤال ينتظر العقل كي يجيب». أي أن الوعي ليس عارضاً، بل شرطاً لظهور الكون بمعناه. فالكون بلا مراقِب هو مجرد احتمالات، مثل كتاب بلا قارئ أو موسيقى بلا مستمع. أما علم الدماغ فيقدم مفاجأة أكبر. فالعقل لا يتلقى الواقع، بل يصنعه لحظة بلحظة. لا نرى الضوء، بل تفسيراً ضوئياً. لا نسمع الصوت، بل تأويلاً عصبياً للاهتزاز. لا نلمس الأشياء، بل خريطة حسية يصنعها الدماغ من الفراغ. والجميل والمخيف في آن: أن العالم الخارجي لا يدخل إلى العقل كما هو، بل العقل يحوّله إلى صورة، ثم يصدّق الصورة، وينسى أنها صورته هو.
كل ما سبق ينتج عنه سؤال لا يستطيع العلم تجاهله: إذا كان الدماغ يصنع تجربتنا، والكون يتشكّل عندما يراقبه الإنسان أو الحيوان ذاتياً، والجسيمات تتحدد وفق حضور الوعي، فهل الوجود خارجي كما نعتقد؟ أم أن الخارج هو استمرار داخلي للوعي في شكل آخر؟ ولك أن تتأمل اللحظة التي ننظر فيها إلى السماء. فهل نرى مجرّات تبعد ملايين السنين الضوئية، أم أن الضوء الذي يصل إلينا ليس المجرة نفسها، بل أثرها القديم؟ نحن لا نرى الماضي، ولكن هل نرى صورة الماضي داخل الوعي الآن؟ فالمجرّة الحقيقية لم تَعُد موجودة في المكان الذي نراها فيه. وما نراه ليس الكون، بل ذاكرة الكون كما تظهر في وعينا.
وهنا تظهر أهم فكرة في هذا المسار كله: ربما الكون ليس وعاءً نعيش داخله، بل خريطة معرفية تتشكّل في وعينا وتتشابك مع قوانين لا تعمل إلا حين يكون هناك عقل يفسّرها. إن الكون الذي نعرفه بقوانينه وثوابته وألوانه وأشكاله قد يكون مجرد طبقة واحدة من واقع أعمق، لا نراه إلا من خلال نافذة الإدراك البشري. وربما هناك عوالم كاملة لا يمكن أن تظهر لنا لأن وعينا غير مهيأ لترجمتها. ولذلك، الوعي ليس مجرد سائح في الكون، ولا الكون مسرحاً محايداً، ولكن لما لا يكونان ثنائية واحدة: الوعي يكشف الكون، والكون يظهر للوعي وهما مرآتان تعكسان بعضهما، لا بداية ولا نهاية بينهما؟فربما أكبر مفارقة في تاريخ العلم هي: كلما اكتشف الإنسان الكون، اكتشف نفسه. وكلما تقدم خطوة نحو الخارج، اتضح أن الخارج كان انعكاساً للداخل. ونحن كمسلمين لا نستوعب لماذا يخاطبنا القرآن بصيغة الماضي حتى عن المستقبل، وما عظمة خلق الإنسان، ولماذا سجدت له الملائكة؟ ولماذا نفخ الله فينا من روحه؟ هل الإنسان مجرد نقطة في الكون، أم أن الكون نقطة في الإنسان بأبعاد اللامحدودة والتي تكمن فيه؟
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.
إقرأ المزيد


