جريدة الإتحاد - 1/7/2026 10:54:52 PM - GMT (+4 )
كثيراً ما يزعم منتقدو الخطاب الإماراتي أنه يجعل من جماعة الإخوان «شماعة» يعلّق عليها مواقفه الإقليمية، غير أن هذه المزاعم ذاتها تتحوّل - على نحوٍ مفارق - إلى شماعةٍ جاهزة لانتقاد الإمارات وتبسيط سلوكها السياسي. فالدولة التي أثبت تاريخها قدراً عالياً من البراغماتية السياسية، والفاعلية الاقتصادية، والدبلوماسية الحاذقة، لا يمكن اختزال خياراتها في ردود فعل أيديولوجية أو خصومات رمزية مع تنظيم بعينه. إن قراءة التجربة الإماراتية خارج سياق المصالح والحسابات الاستراتيجية ليست سوى محاولة للهروب من الاعتراف بأن ما يحكم سياساتها هو منطق الدولة، لا نزق الشعارات، وأن نجاحها الإقليمي والدولي لم يكن نتاج خصومة، بل حصيلة رؤية عملية تُدير التوازنات وتستثمر الفرص بوعيٍ راشد.
إن الإمارات، بوصفها دولة، لا تتحرك بسيكولوجية «الشماعة»، ولا تُدير سياستها الخارجية بعقلية ردّ الفعل أو الإسقاط النفسي. فالدول - بخلاف الأفراد - لا تعاني من عقدٍ، ولا تحتاج إلى تبرير مواقفها وسلوكها من خلال خصمٍ رمزيٍّ دائم، بل تتصرّف وفق منطق المصالح، وإيقاع الحسابات الاستراتيجية، وتُسمّي الأشياء بمسمياتها حين ترى فيها تهديداً حقيقياً أو اختلالاً بنيوياً في محيطها. ومن هذا المنظور، فإن موقف الإمارات من «الإخوان» ليس انفعالاً عابراً، بل قراءة سياسية وأمنية لتجربة تنظيمٍ أثبت، في أكثر من ساحة، عجزه عن التحوّل إلى فاعلٍ أو تنظيم سياسي مسؤول.
والحقيقة الأعمق التي يغفل عنها هذا الخطاب التبسيطي أن ما يجمع الإمارات العربية المتحدة والدول الشقيقة أكبر بكثير من أن تهزّه أو تعيد تشكيله أحلام تنظيمٍ سياسيٍّ يحمل أسباب فشله في بذوره الأولى. فالعلاقة بين الإمارات وأشقائها ليست تحالفَ ظرفٍ عابر، ولا تنسيقاً تكتيكياً مؤقتاً، بل شراكة استراتيجية قائمة على تشابكٍ عميق في الأمن والاقتصاد والرؤية الإقليمية، وإدراكٍ مشترك لطبيعة التحديات التي تهدّد استقرار المنطقة.
إن محاولة «الإخوان» تشييد «سدٍّ نفسي» بين الإمارات والدول الشقيقة ليست سوى وهمٍ سياسي محكوم عليه بالإخفاق. فالتنظيم، الذي فشل في بناء دولةٍ متماسكة حيثما حكم، أعجز من أن يصنع قطيعة بين دول تدرك أن أمنها متداخل، وأن السجالات بين الدول - حين تقع - تُدار داخل إطار الدولة لا خارجها، وضمن منطق المصالح لا عبر وسطاء أيديولوجيين.
أما في الحالة اليمنية، فالأمر أكثر تعقيداً. فاليمن ساحة تتداخل فيها الرؤى أحياناً وتفترق أحياناً أخرى، تبعاً لتعدّد الفاعلين وتشابك المصالح المحلية والإقليمية. ومع ذلك، يبقى الموقف من«الإخوان» حالة شبه متفق عليها: تنظيمٌ يُجيد الاستثمار في الفوضى أكثر مما يُجيد بناء الدولة، ويُتقن إدارة الشقاق أكثر مما يُحسن صناعة التوافق.
وفي السياق السوداني، لا يصبح الإخوان «شماعة» تُعلَّق عليها الخلافات، بل عاملَ اضطرابٍ موضوعياً، وبذرةَ فتنةٍ كامنة في كل سياقٍ هشٍّ يسمح للأيديولوجيا بأن تتقدّم على منطق الدولة. ومن ثمّ، فإن نقد دورهم لا يُفهم بوصفه هوساً أو إسقاطاً نفسياً، بل بوصفه جزءاً من إدراكٍ سياسيٍّ يرى في التنظيم عنصرَ انقسامٍ بنيوي، لا جسرَ تواصلٍ ولا أداةَ استقرار.
وخلاصة القول: إن اختزال سياسات الدول في «شماعات» خطابية يُفرغ السياسة من معناها، ويُحوّلها إلى سردية نفسية فقيرة، بينما الواقع يقول: إن الدول - حين تكون دولاً - تتحرك بوعي المصالح، وتبقى علاقاتها الكبرى أرسخ من أن تعبث بها جماعةٌ لم تستطع، في أي تجربةٍ تاريخيةٍ حديثة، أن تتحرر من تناقضاتها الداخلية أو أن تتجاوز منطق التنظيم إلى أفق الدولة.
*صحفي موريتاني
إقرأ المزيد


