الرسوم الجمركية الأميركية هل أضرّت بالتجارة العالمية؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كان من المفترض أن يكون العام الماضي لحظة تفكيك التجارة الدولية. فقد قيل لنا إن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب غير مسبوقة من حيث الحجم والطموح، إلى درجة قد تُوقف العولمة في مسارها. لكننا ها نحن في عام 2026، ولا تزال جداول البيانات ترفض أن تروي القصة نفسها.

فوفقا لأحدث بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، من المرجّح أن تكون قيمة التجارة العالمية قد تجاوزت 35 تريليون دولار في عام 2025 للمرة الأولى في التاريخ، بزيادة قدرها 7% على العام السابق.

قد تتمكن الإدارة الأميركية من فرض ضرائب على التجارة، لكنها لا تستطيع إغلاقها.

فالتكنولوجيا والأسواق والابتكار البشري ستمنع ذلك من الحدوث. بطبيعة الحال، كان للرسوم الجمركية تأثير. فقد شهد النصف الأول من عام 2025 موجة من الشراء بدافع الذعر، إذ سارع المستوردون إلى تقديم طلباتهم لتفادي أي صدمات ضريبية محتملة. وبدا الأمر وكأن الشركات تحاول بيأس تمرير بضائعها عبر الحدود قبل أن يغلق السياسيون البوابات. لكن هذا ليس كل ما يحدث. فهذا ليس عقد الثلاثينيات، والبضائع ليست الوسيلة الوحيدة التي تعبر بها القيمة الحدود. فقد نما قطاع تجارة الخدمات بنسبة 9%. والاقتصاد العالمي يتّجه نحو «إتمام المعاملات إلكترونياً» بوتيرة أسرع بكثير مما يستطيع «القوميون» الاقتصاديون تشريعه.

يمكنك أن تُوقف الغسالات أو سبائك الصلب عند الموانئ، لكن من الأصعب بكثير أن تمنع شركاتك من شراء عقود الحوسبة السحابية أو تصاميم الرقائق الإلكترونية من الخارج. حتى تجارة السلع يمكن أن تتم بطرق غير متوقعة عند زيادة الرسوم الجمركية. فعندما تجعل شراء أو بيع سلعة ما أكثر صعوبة، يمكنك أيضاً أن ترفع سعرها.

ففي الأشهر الستة الأولى من العام الماضي، على سبيل المثال، ارتفعت أسعار السلع القابلة للتجارة بشكل حاد، وكان ذلك على الأرجح استجابة لحالة عدم اليقين التي غذّتها سياسات ترامب. وبشكل عام، حتى إذا تراجع الحجم الفعلي للبضائع التي تعبر الحدود، فإن القيمة الإجمالية الكامنة في هذا التبادل قد ترتفع.

وهذا ما سيحدث إذا نجح ترامب في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وبدأت الولايات المتحدة في تصنيع القمصان محليا، لكنها واصلت استيراد مدخلات وسيطة وآلات أكثر تكلفة. يمكن عكس سياسات التجارة، لكن التكنولوجيا لا تتراجع، بل تتقدم فقط. وأمام القفزة الهائلة في الإمكانات والقدرات التي قد يمثلها الذكاء الاصطناعي، لا يمكن لأي دولة أن تعزل نفسها بالكامل. فالطلب العالمي على المعادن من أفريقيا، وأشباه الموصلات من وتوربينات الغاز لمراكز البيانات من اليابان، سيستمر في الارتفاع. عندما يكون الإنتاج موزّعاً على هذا النحو، ويكون الطلب بهذه القوة، لا تستطيع الحكومات إيقاف الواردات. وكل ما يمكنها فعله هو نقل الاختناقات وارتفاع الأسعار من جزء من سلسلة الإمداد إلى جزء آخر.

وغالبا ما ينتهي الأمر بزيادة التكاليف في الداخل، بينما يواصل بعض الشركاء الموثوقين تحقيق الأرباح. ولهذا السبب، ورغم معاناة كوريا الجنوبية في التعامل مع مطالب ترامب المتعلقة بالرسوم والاستثمار، يُرجَّح أن تكون صادراتها قد تجاوزت 700 مليار دولار للمرة الأولى. وهؤلاء الذين تنبأوا بالموت الوشيك للتجارة نسوا بوضوح الخدمات والتكنولوجيا، والحسابات الغريبة والفوضوية للقيمة المضافة.

لكن أكبر عامل تجاهلوه هو البشر أنفسهم. فروّاد الأعمال يجدون دائماً طريقة لكسب المال، والمنتجون يجدون سبيلاً لبيع بضائعهم. والكثير من الجهود التي بُذلت في السنوات الأخيرة للابتعاد عن الموردين الصينيين، جرى تحويلها الآن إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على المشترين الأميركيين.

والبحث عن سلاسل إمداد مرنة يفسح المجال للبحث عن أسواق موثوقة. وكما أشارت منظمة الأونكتاد، فقد نمت التجارة بين دول الجنوب بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي، فيما ارتفعت التجارة داخل شرق آسيا بنسبة 10% مقارنة بالعام الماضي.

لا شك أن الولايات المتحدة سوق استهلاكية ضخمة ولا يمكن الاستغناء عنها. لكن تأثير الحواجز التجارية التي تفرضها لن يكون متساويا على جميع الدول والقطاعات. فبالنسبة للبعض، ستكون خسارة الوظائف والعقود مدمرة. لكن الغالبية ستسعى إلى التنويع، عبر البحث عن وجهات تصدير أخرى أو طرق غير مباشرة للوصول إلى السوق الأميركية.

وترى منظمة الأونكتاد أن الأثر الكامل للعراقيل التي تشهدها منظومة العولمة قد لا يظهر إلا هذا العام، وتحذّر من احتمال حدوث تباطؤ. قد يشهد عام 2026 لحظات صعبة، لكن دروس 2025 لن تُنسى بسهولة. فالاقتصاد العالمي أكثر مرونة مما كنا نعتقد، والقوى التي تدفع اقتصاداتنا نحو مزيد من الترابط أقوى من سياسات أي زعيم. وستظهر حتما نماذج جديدة للتجارة، تقوم على التكامل الإقليمي، والخدمات العابرة للحدود، والتحول التكنولوجي. وحتى لو أغلقت أميركا أبوابها، فإن السوق خارج أسوارها سيزداد ازدحاما وحيوية.

*زميل بارز بمؤسسة أوبزرفر للأبحاث في نيودلهي.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد