جريدة الإتحاد - 1/8/2026 1:31:28 AM - GMT (+4 )
في ظلّ الاهتمام المتواصل بتطوير المنظومة التعليمية في دولة الإمارات العربية المتحدة، أصدرت الحكومة مرسوماً بقانون اتحادي لتنظيم حوكمة المنهاج التعليمي الوطني، بما يعزّز جودة التعليم، ويرسِّخ معايير التميّز الأكاديمي، ويوفر بيئةً تعليمية متكاملة تواكب التطورات العالمية، وتكون قادرةً على إعداد جيل يمكنه مواجهة تحديات المستقبل وتحقيق أهداف الأجندة الوطنية في المجالات كافة.
وثمة العديد من الأسباب التي تكمُن خلف صدور هذا المرسوم، أبرزها: الحرص على تقديم استراتيجيات للتقييم والتحقق من تطبيق التنسيق الفعّال والشفافية والمساءلة والمشاركة المجتمعية في تطوير التعليم، إيماناً من المشرّع الإماراتي بأن تخطيط المناهج الدراسية عملية ديناميكية وتعاونية، وإطار لاتخاذ القرارات التعليمية في المنهج الدراسي بصفته بياناً للقيم والقدرات والمعارف المرغوبة.
وفي الواقع، فإن هذا المرسوم بقانون يُمثل انعطافةً مفصلية في الفلسفة التشريعية التربوية لدولة الإمارات، إذ يتجاوز كونه أداةً تنظيمية ليصبح ميثاقاً مؤسسياً يُرسي، ولأول مرة، إطاراً تشريعياً شاملا، تتوخى أحكامُه ضبطَ سيرورة المنهاج التعليمي الوطني في دورته الكاملة، بدءاً من التأسيس، مروراً ببروتوكولات الاعتماد والتنفيذ، وصولاً إلى آليات المراجعة النقدية المستمرة.
وبشكل أكثر تفصيلاً، تتمثل المقاصد التشريعية والنطاق القانوني للمرسوم في تحقيق الغايات الاستراتيجية التربوية، بُغية إرساء دعائم نظام معياري لاعتماد مكوّنات المنهاج التعليمي الوطني، ضمن معادلة تشريعية توفق بين ثبات المبادئ وديناميكية التطور، وبالتالي يحقق المشرّع الإماراتي من خلال هذا الإطار ثلاثة أهداف رئيسية:
أولها، الموازنة بين الاستقرار والمرونة من خلال تفعيل استجابة استباقية للمتغيرات المستقبلية واستحقاقات سوق العمل، مع الحفاظ على الركائز الجوهرية للعملية التربوية.
ثانيها، استدامة التحديث عبر ضمان إخضاع أي تعديلات في المحتوى المعرفي لمنهجية علمية صارمة ومدروسة، نأيًا بالعملية التعليمية عن الارتجال، وبما يكفل تعزيزَ «التنافسية المعرفية» للمنظومة التعليمية الإماراتية.
ثالثها، التأهيل الوظيفي، وهو ما يتحقق من خلال صياغة شخصية الطالب المدرسي المتعلم وتجهيزها للاندماج العضوي والفاعل في البُنى الاجتماعية والاقتصادية، محلياً وعالمياً، باعتبار التعليم أداةً لتحقيق السيادة الوطنية والتميّز الحضاري.
وتنبسط أحكام هذا المرسوم بقانون لتشمل كافة المؤسسات التعليمية (العامة والخاصة) العاملة في الدولة، وذلك وفقاً لقواعد الشمولية الأفقية، حيث تسري الأحكام على كافة المنشآت التي تعتمد المنهاجَ التعليمي الوطني في سائر الحلقات الدراسية، بدءاً من مرحلة الطفولة المبكرة وصولاً إلى نهاية التعليم الثانوي (الصف الثاني عشر).
ويسعى المرسوم إلى ترسيخ الولاية السيادية على المناهج الأجنبية ليمتد النطاق الإلزامي للقانون إلى المؤسسات التعليمية الخاصة التي تطبق مناهج دولية، حيث تلتزم –بموجب النظام العام– بتدريس اللغة العربية، والتربية الإسلامية، والدراسات الاجتماعية، ذلك أن إخضاع المدارس الخاصة (غير الوطنية) لتدريس المواد السيادية ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو تكريس للثوابت وللهوية الوطنية الإماراتية بهدف توحيد الوجدان الوطني، وضمان صيانة القيم المشتركة، وحماية النسيج الثقافي للمجتمع، بما يضمن صهر جميع مخرجات التعليم في بوتقة الهوية الوطنية الجامعة.
ولا يكتفي هذا الإطار المعياري بضبط آليات هندسة واعتماد المنهاج الوطني الإماراتي، بل يتجاوز ذلك ليجعل من صيرورة التعليم (تصميماً، وتطبيقاً، ونقداً مستمراً) عمليةً غائية محكومة بالرصانة المنهجية. كما يرسّخ القانونُ بنية حوكمة كليّة تعيد تعريف العلاقة بين المدارس الاتحادية والمحلية، محولةً إياها من مجرد تراتب إداري إلى تكامل مؤسسي يرتكز على مبدأ المسؤولية التضامنية.
ويتوخى هذا التنظيم تكريس أخلاقيات الشفافية وجعل المساءلة قيمةً جوهريةً، مع فتح فضاءات التداول المجتمعي، باعتبار التعليم عقداً اجتماعياً يتطلب انصهار كافة الفواعل في بوتقة الارتقاء بالوعي الجمعي وتطوير الذات الوطنية. وبهذا لن يقتصر هدف التعليم في دولة الإمارات على التنمية المعرفية فحسب، بل سيشمل أيضاً بناءَ الشخصية وخلق أفراد متكاملين، مزودين بمهارات القرن الحادي والعشرين الأساسية، وتنمية طلبة قادرين على التفكير العقلاني والعمل الرشيد، مسلحين بالمعرفة الكافية والقدرات المناسبة، ومتحلين بالقيم الأخلاقية المرغوبة بما يعزز التنمية الروحية والأخلاقية والاجتماعية والثقافية، ويُهيئ جميع الطلاب لفرص الحياة ومسؤولياتها وتجاربها.
* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


