سياسات الصراع بين إدارة ترامب وإيران
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 زار وزيرُ الخارجية الإيراني عباس عرقجي بيروتَ كالعادة، والمسؤولون الإيرانيون في عام 2025 لم يغيبوا عن بيروت. وما عادوا يلقون الترحيب كما كان عليه الأمر سابقاً، وصار المسؤولون اللبنانيون – وبخاصة رئيس الحكومة نواف سلام – يحذّرونهم من التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية. ويفتخر وزير الخارجية اللبناني أحياناً بأنه لم يعطِ المسؤول الإيراني موعداً للاجتماع به في المرة السابقة، لكنه اجتمع به هذه المرة! وبالطبع ما جاء المسؤول الإيراني إلى لبنان لمقابلة المسؤولين الرسميين، بل لمقابلة مسؤولي «حزب الله» الذي لا يزال الإيرانيون يبذلون جهوداً كبيرةً لإيصال المال والسلاح إليه، رغم انسداد السبيل السوري والآن السبيل الفنزويلي أيضاً! وهذا معنى قول رئيس الجمهورية اللبنانية في محادثاته مع عرقجي إنه من ضمن الممنوعات: إدخال السلاح إلى لبنان!  
وتعود الخصومة الأميركية مع إيران إلى عام 1979 حين قام شبان «خطّ الإمام» بخطف دبلوماسيين أميركان من السفارة بطهران وفشل محاولات كارتر لتحريرهم، فلما تولى ريغان جرى إطلاق سراحهم!
    وإلى ذلك يعيد المراقبون التحسن الأوّلي للعلاقة وقصة «إيران- كونترا». وقد ظلت العلاقات شديدة التأرجح في ظل سياسات «الاحتواء». وتحسنت العلاقات أكثر إثر غزو الأميركيين للعراق (2003)، وبعد غزوهم أفغانستان (2001-2002). لكن منذ ذلك الحين ظهر تأثير النووي في السياسات. فقد أعلنت أميركا عام 2004 عن تحويل الملف النووي الإيراني من وكالة الطاقة إلى مجلس الأمن. وفي الوقت نفسه، وبسبب ما يشبه الشراكة في العراق، صار الطرفان يبحثان عن صفقةٍ في النووي تفيد الطرفين. وبالفعل تمّت الصفقة في عام 2015 مع إدارة أوباما، بعد أن كان الإيرانيون وبطلهم سليماني قد بشّرونا بالاستيلاء على أربع عواصم عربية: دمشق وبيروت وبغداد وصنعاء. 
    ما سُرّت إسرائيل بالاتفاق بين إيران وأميركا. وليس بسبب الشروط المتواضعة للاتفاق، بل وبسبب تغير العلاقات عندما تغيرت الإدارة. وجاء ترامب عام 2016 للرئاسة، فسارع للخروج من الاتفاق من طرفٍ واحد. ومنذ ذلك وإلى هجوم الإثني عشر يوماً على إيران من جانب إسرائيل فأميركا عام 2025 انتهى الاحتواء أو الاستيعاب بالفعل، وصار المطلوب من إيران الاستسلام من دون شروط! والمسؤولون الإيرانيون منذ مجيء بزشكيان للرئاسة الإيرانية، لا يزالون يقولون بإمكانية التفاوض، لكن إيران تشترط بقاء التخصيب المنخفض والصواريخ البالستية. 
    غيّرت حروبُ السنتين الماضيتين المشهدَ في سوريا ولبنان والعراق وطهران. سقطت أجنحة في المحور الإيراني، ويوشك المحور نفسه أن يتوارى. لكنّ النفوذ الإيراني غير المباشر في لبنان والعراق لا يزال مطموعاً به ومطموحاً إليه. وهذا معنى زيارة عرقجي للبنان والعراق، بحجة بقاء نقاط محتلة من إسرائيل في الجنوب، والضربات المتوالية على لبنان من إسرائيل، في حين يُصرّ اللبنانيون على إنفاذ قرار حصرية السلاح بيد الدولة، وإنْ لم يعودوا يحددون آجالاً لذلك.
    إنّ الجديد وسط استمرار التهديدات الإسرائيلية والأميركية لطهران بالهجوم ثانيةً، نشوب التظاهرات الكثيفة في عشرات المدن الإيرانية لأسبابٍ اقتصادية. واللافت أنّ ترامب يهدد بالتدخل لحماية المتظاهرين! والجديد أيضاً في تظاهرات إيران دخولُ تجار البازار فيها، والمعروف أنّ ثورة البازار 1978-1979 آذنت يومها بسقوط نظام الشاه.. فبماذا تؤذن الأحداث الحالية، وهي الرابعة منذ العام 2009؟!


*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

 

 

 



إقرأ المزيد