جريدة الإتحاد - 1/10/2026 11:54:49 PM - GMT (+4 )
حتى قبل استخدام أسطول البحرية الأميركية للقبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، كان الرئيس دونالد ترامب يطمح لإعادة تشكيل البحرية الأميركية وفقاً لرؤيته. ففي حفل إطلاق فخم في منتجع مارالاغو الشهر الماضي، أعلن عن فئة جديدة من البوارج تُعرف باسم «فئة ترامب»، لقيادة «الأسطول الذهبي» افتراضياً في القرن الـ21.
فهل تلك الرؤية الجريئة ذات التكلفة الباهظة هي النهج الأمثل للسيطرة على أعالي البحار؟ وبينما ستُسمى الفئة الكاملة من السفن الحربية باسم الرئيس، لن تحمل أول سفينة اسمه، ربما لأنه يُفضل أن تُسمى حاملة الطائرات النووية المستقبلية باسم «يو إس إس دونالد جيه ترامب». وهكذا، فإن السفينة «بي بي جي-1» حيث يرمز الحرفان «بي بي» إلى البارجة، و«جي» تشير إلى قدرتها على إطلاق صواريخ موجّهة، ستُسمى «يو إس إس ديفاينت».
وبغضّ النظر عن الاسم، ستزن السفينة الجديدة أكثر من 30 ألف طن، وستتمتع بقوة هائلة، وإنْ كانت قد لا ترقى إلى مستوى ادعاء الرئيس بأنها «أقوى بمئة ضعف من أي بارجة حربية بُنيت على الإطلاق». وتُعد قائمة القدرات والتقنيات المخطط لها حلماً لأي أميرال، بدءاً من 128 أنبوب إطلاق عمودي من طراز «مارك 41» لإطلاق مزيج من أنظمة الدفاع الجوي التقليدية وصواريخ توماهوك للهجوم البري، وستشمل صواريخ توماهوك كلاً من الأنواع التقليدية والأنواع النووية المثيرة للجدل. ثم يأتي نظام «إيجيس» للدفاع الجوي، مزود برادار من طراز جدد «SPY-6»، ونظام ليزر متطور يُسمى نظام الاعتراض البصري المبهر، التابع للبحرية، وحظيرتان لطائرات «في-22 أوسبري» ذات المراوح القابلة للإمالة ومروحيات سيهوك، ومجموعة حرب إلكترونية متطورة، ومدفعان سطحيان تقليديان عيار 5 بوصات، ومدفع كهرومغناطيسي متطور، ونظام صواريخ فرط صوتية تقليدي سريع (سي بي إس) مكون من 12 خلية، والذي قد يمتلك في المستقبل قدرة نووية. ويتطلب تشغيل هذه الترسانة الهائلة طاقماً كبيراً يتراوح بين 600 و800 بحار.
ويقول ترامب إن السفن ستدخل الخدمة خلال بضع سنوات، وهو أمر ليس مستحيلاً، لكنه يبدو مستبعداً للغاية. ففي ظل التأخيرات المستمرة في أحواض بناء السفن الأميركية المتقادمة، والتي تعاني نقصاً في الأيدي العاملة، لا نتوقع أن تصبح السفن الجديدة جاهزة للعمل قبل عام 2035. أما تقديرات التكلفة فهي باهظة: نحو 9 مليارات دولار لكل سفينة، على أن تتراوح تكلفة السفينة الأولى «يو إس إس ديفاينت» بين 10 و15 مليار دولار. هل تُعد فئة ترامب خياراً منطقياً في حروب اليوم؟
هل هناك استخدامات أفضل لميزانية الدفاع من بناء سفن حربية ضخمة وجميلة؟ وتُعتبر المدمرة الصاروخية الموجّهة من فئة «أرلي بيرك» هي النموذج السابق للسفينة الحربية الجديدة. وبعد ثلاثة عقود من الخدمة، لا تزال هذه السفن تُشكّل العمود الفقري للأسطول، حيث يوجد 75 منها في الخدمة. وتوليتُ قيادة إحداها بنفسي، وهي المدمرة «يو إس إس باري» في أوائل التسعينيات، كما قُدت العديد منها ضمن مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس إنتربرايز» التي كنتُ أقودها خلال غزو العراق عام 2003.
وتُشكّل هذه المدمرات ثلث حجم البوارج الجديدة المُخطط لها، إذ يبلغ وزنها نحو 10 آلاف طن، ويبلغ طاقمها نصف العدد المُقدر لطاقم فئة ترامب. وهي مُجهزة أيضاً بنظام إيجيس للدفاع الجوي، وأنابيب إطلاق عمودية قادرة على حمل صواريخ توماهوك، ومدافع بحرية عيار 5 بوصات، وصواريخ هاربون المضادة للسفن، وصواريخ قياسية للدفاع الجوي، وسطح طيران مُجهز لاستقبال المروحيات. أما ما ستُضيفه البوارج الجديدة، فهو أولاً، المدفع الكهرومغناطيسي، الذي يستخدم القوى الكهرومغناطيسية لإطلاق المقذوفات، أشبه بمقلاع ضخم، بمدى ودقة فائقين. وتشمل الابتكارات الأخرى المُخطط لها للأسطول الذهبي الليزر للدفاع الجوي وصواريخ كروز فرط صوتية. ويبدو الأمر واعداً حتى الآن، إلا أن المشكلة تكمن في أن المدفع الكهرومغناطيسي، وصواريخ كروز فرط الصوتية، وأنظمة الليزر المضادة للطائرات ليست جاهزة للاستخدام الفعلي.
فرغم استمرار الاختبارات لسنوات، لا يوجد نموذج تشغيلي لأي منها. لذا، فإضافة إلى تحديات تصميم السفينة الجديدة نفسها، سيتعين إكمال ثلاثة من أنظمة الهجوم الرئيسية وتجهيزها للعمليات البحرية. أما القلق الثاني فهو استراتيجي ويتعلق بالتساؤل: هل من المنطقي حشد هذا الكم الهائل من الأسلحة الباهظة الثمن وهذا العدد الكبير من البحارة على منصة واحدة قد تكون عرضة للخطر؟ ويُعد مصير آخر أسطول كبير من البوارج الأميركية مثالاً يُحتذى به، فقد غرقت ثماني منها أو تضررت بشدة في الهجوم على بيرل هاربر عام 1941.
أما تلك التي أُصلحت، فلم تلعب دوراً مذكوراً خلال الحرب، إذ حُسمت المعارك الضخمة بين الأساطيل بواسطة حاملات الطائرات، لا بواسطة مدافع البوارج الضخمة. أما البوارج الأميركية الأربع الأحدث، نيو جيرسي، ويسكونسن، ميسوري، وأيوا، فلا تزال عائمة كمتاحف بحرية. وينبغي عليك زيارة إحداها لأنها قوية ومذهلة وجميلة، ولكنها عفا عليها الزمن تماماً. وبالنظر إلى أسراب الطائرات من دون طيار والغواصات الخفية والصواريخ فرط الصوتية والطوربيدات المتقدمة والأسلحة السيبرانية الهجومية الموجودة اليوم، فإن وضع الكثير من البيض في عدد قليل من السلال الكبيرة لا يبدو منطقياً. والاستخدام الأفضل لقدرات بناء السفن المحدودة يكمن في بناء العديد من المنصات منخفضة التكلفة، غير المأهولة، وشبه الغاطسة، القادرة على تشغيل أسراب من المسيرات تُطلق من البر، أو إطلاق صواريخ للهجوم البري تُدار من الفضاء.
والأفضل من ذلك تطوير مسيرات تحت الماء بالكامل، كتلك التي يطورها الأوكرانيون في البحر الأسود. أما الخيار الأكثر تكلفة لكنه معقول، فهو توسيع أسطول الغواصات النووية، وهي المفترسات الحقيقية لقاع المحيطات. والخلاصة أن الولايات المتحدة بحاجة ماسة إلى مزيد من السفن الحربية، في ظل التفوق الصيني من حيث العدد، نحو 360 سفينة مقابل 300 للولايات المتحدة، وسرعة البناء لدى بكين.
لكن النهج الأمثل يُعرف بـ «القوة النارية الموزعة»، أي نشر الأسلحة على منصات عديدة، وهو نقيض فكرة البارجة العملاقة. ويجب أن تكون الكلمات المفتاحية هي الفتك والكمية والبساطة وتحمّل التكلفة. وكذلك تقليص حجم الأطقم، إذ إن البحارة، على المدى الطويل، هم الأكثر تكلفة في أي سفينة حربية. وهناك قصة تحذيرية أخرى، ففي بداية حرب الروسية الأوكرانية، كانت سفينة القيادة في أسطول البحر الأسود الروسي هي الطراد الصاروخي الموجّه «موسكفا»، وعلى متنها 500 بحار، ومجهّزة بدفاعات صاروخية قوية. واشتهرت خلال الحرب الباردة، فهي سفينة حربية أنيقة المظهر، مكتظة بالأسلحة.
ولكن في أبريل 2022، بعد أشهر قليلة من بدء الحرب، أغرقها الأوكرانيون، الذين لا يملكون حتى أسطولاً بحرياً، ومن أوائل الدروس التي تُعلم في الأكاديمية البحرية الأميركية: «لا تدعهم يُغرقون سفينتك الرئيسية!» ورغم إعجابي الشديد بمظهر البوارج الحربية الكبيرة والجميلة، إلا أنها لن تجعل الأسطول الجديد «ذهبياً»: فقد ولى زمانها.
*أميرال متقاعد في البحرية الأميركية، وقائد سابق لقوات حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وستافريديس عميد فخري لكلية فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافتس.
*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


