جريدة الإتحاد - 1/10/2026 11:54:57 PM - GMT (+4 )
في إطار جهود دولة الإمارات العربية المتحدة لتعزيز التحول الرقمي واعتماد التقنيات المتقدمة في مختلف القطاعات، يبرز قطاع القضاء في إمارة أبوظبي نموذجاً متقدماً يجسّد هذه الرؤية الوطنية الطموحة، ويعكس توجهاً راسخاً نحو بناء منظومة عدلية عصرية تستجيب لمتطلبات الحاضر وتستشرف تحديات المستقبل، إذ بات واضحاً أن العدالة في عصر التحولات المتسارعة لا يمكن أن تُدار بالأساليب التقليدية، بل تحتاج إلى حلول ذكية تضمن الكفاءة والسرعة، وتحافظ في الوقت نفسه على الحقوق وترسّخ سيادة القانون.
وفي هذا السياق، تمضي دائرة القضاء في أبوظبي بخطى واثقة نحو تطوير منظومة قضائية متقدمة، من خلال سلسلة مبادرات نوعية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، اعتمدتها لجنة السياسات الإصلاحية والتأهيلية بالدائرة. وتشمل هذه المبادرات أنظمةَ الأمن الذكي لإدارة مراكز الإصلاح والتأهيل، وأنظمة كشف السلوك والاستجابة السريعة، إلى جانب نظام إدارة طلبات النزلاء أمام المحاكم، بما يعكس توجهاً استراتيجياً نحو أتمتة الإجراءات ورفع كفاءة الخدمات القضائية، وتعزيز ريادة أبوظبي في توظيف التكنولوجيا لخدمة العدالة.
ويأتي تنفيذ هذه المشاريع ترجمةً عمليةً لتوجيهات القيادة الرشيدة، التي تؤكد أهمية الابتكار المستمر في المنظومة العدلية والإصلاحية، وتعزيز جاهزيتها لمواكبة المتغيرات. ويستهدف هذا النهج تحقيق مستهدفات الحكومة في بناء مجتمع آمن ومستدام، يقوم على نظام قضائي كفء، وخدمات عالية الجودة، تعزز ثقة المجتمع، وترسّخ المكانة التنافسية لإمارة أبوظبي إقليمياً وعالمياً.
وتشكّل أنظمة التنبؤ بالسلوك وإدارة الطلبات القضائية الذكية ركناً أساسياً في هذه الاستراتيجية، لما توفره من إمكانات متقدمة لإنجاز الإجراءات دون تدخل بشري، ورفع مستوى السلامة العامة داخل مراكز الإصلاح والتأهيل من خلال الرصد الدقيق للأنشطة والاستجابة السريعة لأي طارئ. وفي الوقت نفسه، تسهّل هذه التقنيات وصول النزلاء إلى حقوقهم القانونية عبر الربط التقني المباشر مع المنظومة القضائية، بما يسهم في تسريع الفصل في القضايا، وتحقيق العدالة الناجزة، مع الحفاظ على أعلى مستويات الشفافية وصون حقوق الإنسان.
وتتكامل هذه الخطوات مع مشاريع تطويرية أخرى تهدف إلى تعزيز البنية التحتية القانونية وفق أفضل المعايير الدولية، من بينها مشروع تحسين بيئة الحبس الاحتياطي، بما يضمن الالتزام بالمتطلبات القانونية، ومراعاة حقوق الإنسان داخل مراكز الاحتجاز. ولا شك في أن تهيئة بيئة احتجاز لائقة تحترم كرامة الإنسان تعكس التزام دولة الإمارات بمنظومة عدلية توازن بين مقتضيات الأمن ومتطلبات العدالة، في إطار قانوني وإنساني متكامل.
وتولي دائرة القضاء في أبوظبي الجوانب التأهيلية والإصلاحية اهتماماً متزايداً، من خلال مبادرات تستثمر طاقات النزلاء وتعيد توجيهها نحو مسارات إيجابية ومنتجة، عبر إطلاق ورش عمل تخصصية في مجالَي التصنيع والزراعة. وتهدف هذه المبادرات إلى تزويد النزلاء بمهارات مهنية وفنية تفتح أمامهم آفاقاً جديدةً للعمل والاندماج في المجتمع بعد قضاء مدة العقوبة، بما يحوّل المؤسسات العقابية إلى مراكز إصلاح وتأهيل وإنتاج، بدلاً من مجرد أماكن احتجاز، الأمر الذي يعكس رؤية شاملة تضع إصلاح الفرد واستقراره الاجتماعي في صميم الأولويات.وتتجسد هذه الجهود مجتمعةً في رؤية دائرة القضاء بأبوظبي للعام 2026، التي تستهدف الوصول إلى منظومة قضائية ذكية بالكامل، تضمن الاستجابة الفورية، من خلال تكامل حلول الأمن التنبؤي القادرة على تحليل السلوكيات والتنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها، إلى جانب تحويل مرافق الإصلاح إلى بيئات تركز على أنسنة تجربة النزيل، والتوسع في تطبيق البدائل العقابية غير المقيدة للحرية للفئات المستحقة.
إن ما تقدمه دائرة القضاء في أبوظبي اليوم يؤكد أن الابتكار في خدمة العدالة ليس توجهاً مرحلياً، بل خيار استراتيجي مستدام تتبناه دولة الإمارات لبناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. فالتقنية والإنسانية، حين تجتمعان في ميدان العدالة، تصنعان نموذجاً متقدماً يرسّخ الثقة بسيادة القانون، ويعزز الطمأنينة المجتمعية، ويؤكد أن الاستثمار في التحول الرقمي القضائي هو في جوهره استثمار في أمن المجتمع وحقوق أفراده.
* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


