دلالات انضمام الإمارات لتحالف «باكس سيليكا»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الاقتصادي والتكنولوجي العالمي، يكتسب انضمام دولة الإمارات العربية المتحدة إلى إعلان «باكس سيليكا» دلالات تتجاوز البُعد التقني، ليعكس رؤيةً قياديةً واضحةً تؤمن بأن المستقبل يُصنع بالاستثمار في المعرفة، والذكاء الاصطناعي. فالتوقيع الذي جرى في متحف زايد الوطني بأبوظبي يعبّر عن مسار متواصل تقوده الإمارات منذ سنوات، يقوم على تنويع الاقتصاد، وبناء نموذج تنموي مستدام، وتعزيز موقع الدولة في قلب الاقتصاد العالمي الجديد.
لقد أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في أكثر من مناسبة، أن «الاستثمار في الإنسان والمعرفة والتكنولوجيا هو الاستثمار الأضمن للمستقبل»، وأن بناء اقتصاد متنوع قائم على الابتكار يمثّل أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل. 
وتأتي مشاركة الإمارات في تحالف «باكس سيليكا» ترجمةً عملية لهذه الرؤية، حيث تنتقل الدولة من موقع المستفيد من التكنولوجيا إلى موقع الشريك في صياغة قواعدها وبنيتها التحتية وسلاسل إمدادها. ففي عالم باتت فيه الرقائق الإلكترونية والمعادن الأرضية النادرة تعادل في أهميتها النفطَ والغازَ في القرن الماضي، يصبح الانخراط في مثل هذه المبادرات خياراً لا غنى عنه لضمان الاستدامة الاقتصادية والأمن التكنولوجي.

وإعلان «باكس سيليكا» هو مبادرة تقودها الولايات المتحدة، تهدف إلى بناء سلاسل توريد آمنة ومتكاملة في مجال السيليكون والمعادن الحرجة والتقنيات المتقدمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات. وتشمل المبادرة دولاً تتمتع بثقل تكنولوجي واقتصادي كبير، من بينها اليابان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، وسنغافورة، والمملكة المتحدة، مع انفتاحها على شركاء آخرين مثل الهند. وتعكس هذه التركيبة سعياً لبناء تكتل تكنولوجي عابر للأقاليم، يقوم على تكامل الأدوار لا على التنافس.
ولا شك في أن انضمام دولة الإمارات إلى هذا الإعلان يعكس أولاً الثقةَ الدولية المتزايدةَ في نموذجها التنموي. فقد استطاعت الدولة خلال فترة زمنية وجيزة أن تؤسِّس بيئةً تنظيميةً جاذبةً، وبنيةً تحتيةً رقميةً متقدمةً، وشبكةً لوجستيةً عالميةً، إضافةً إلى قدرات استثمارية مرنة قادرة على الربط بين رأس المال والابتكار. هذه المقومات جعلت الإمارات شريكاً طبيعياً في تحالف يسعى إلى تقليص المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بتركيز سلاسل التوريد في نطاق جغرافي ضيق، وإلى تنويع مصادر التكنولوجيا والمواد الخام الحيوية. 
انضمام الإمارات لتحالف «باكس سيليكا» يعزّز مسارَها في جعل الذكاء الاصطناعي ركيزةً أساسية للاقتصاد المستقبلي. فالدولة لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تقنية، بل منظومة متكاملة تشمل التعليم، والبحث العلمي، والحوكمة، وبناء القدرات البشرية. ومن خلال التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة وشركاء دوليين آخرين، تفتح المبادرةُ آفاقاً جديدةً لتوطين الصناعات المتقدمة، واستقطاب المشاريع البحثية، وبناء مراكز بيانات وبنى تحتية رقمية تخدم المنطقة والعالم.
وفي السياق ذاته، يبرز تحالف «باكس سيليكا» كمحاولة لإرساء نموذج تعاون قائم على الشراكة والثقة والمعايير المشتركة، بدلًا من منطق الاحتكار أو الصراع الصفري. وفي هذا السياق، تُمثّل الإمارات جسراً بين الشرق والغرب، وشريكاً قادراً على الموازنة بين المصالح الاقتصادية والاستقرار الإقليمي والانفتاح العالمي.
كما أن المبادرة تسعى كذلك إلى ترسيخ معايير الحوكمة الرشيدة، والشفافية، وأمن البيانات، والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي. وهو ما ينسجم مع رؤية الإمارات التي تؤكد أن التقدم التكنولوجي لا يكتمل إلا إذا اقترن بالمسؤولية الأخلاقية والتنمية البشرية الشاملة.
إن توقيع الإمارات على إعلان «باكس سيليكا» يمثّل في جوهره استثماراً في المستقبل، ورسالة واضحة بأن الدولة مصممة على أن تكون جزءاً من الحلول العالمية للتحديات التكنولوجية، لا مجرد متأثرة بها. فهو يعزّز مكانتها كمركز عالمي للتكنولوجيا والابتكار، ويدعم تنويع اقتصادها بعيداً عن الموارد التقليدية، ويؤسس لدور محوري لها في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية الناشئة. وتؤكد دولة الإمارات، من خلال انضمامها إلى تحالف «باكس سيليكا»، أنها اختارت موقع الفعل والتأثير، وأنها ماضية بثقة في تحويل التحديات التكنولوجية إلى فرص تنموية، تضمن الازدهارَ والاستدامةَ للأجيال المقبلة.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 

 



إقرأ المزيد