جريدة الإتحاد - 2/1/2026 12:57:00 AM - GMT (+4 )
لفهم الطريقة التي يُروّج بها الرئيس دونالد ترامب لرئاسته وسياساته، لا سيما عند مواجهة التحديات، لا بد من فهم تأثير روي كوهن، المحامي الراحل من نيويورك، على نهجه في السياسة وممارسة السلطة.
كان «روي» شخصية مؤثرة في الخفاء، وممارساً شرساً لحيل وسياسات القوة، حيث ارتبط برجال ذوي نفوذ، وساعدهم في مسيرتهم المهنية بينما كان يروّج لنفسه في الوقت ذاته. برز روي كمُدّعٍ عام في قضية روزنبرج (زوجان اتُهما وأُدينا وأُعدما بتهمة التجسس لصالح الاتحاد السوفييتي)، وأصبح مُستشاراً استراتيجياً رئيسياً في جلسات استماع الكونجرس التي قادها السيناتور «جوزيف مكارثي» لكشف ما زُعم من تسلل شيوعي إلى الولايات المتحدة.
ثم قدّم «روي» المشورة للرئيسين ريتشارد نيكسون ورونالد ريجان، قبل أن يُصبح شريكاً لدونالد ترامب في بداية مسيرته المهنية في مجال العقارات والسياسة في مدينة نيويورك.
ويمكن تلخيص نصائح «روي» لعملائه في ثلاث قواعد هي أولاً: الهجوم، الهجوم، الهجوم، وثانياً: لا تعترف بشيء، أنكر كل شيء، وادّعِ النصر دائماً، ثالثاً: ولا تعترف بالهزيمة أبداً.
لطالما أراد «روي» أن يكون عملاؤه أو المتدربون لديه في موقع الهجوم، وأن يُظهروا صورة القوة، وأن لا يُبدوا ضعفاً، وأن يظهروا بمظهر المُسيطر على الموقف. وتتجلى هذه الصفات يومياً في البيت الأبيض في عهد ترامب، حيث يشنّ هجماتٍ متواصلة على الرئيس بايدن، و«الديمقراطيين»، والمحاكم، ووسائل الإعلام الرئيسية، وكل من يجرؤ على تحدّيه، ويتباهى بالنجاح، حتى عندما يُشير الواقع إلى عكس ذلك (على سبيل المثال، كان حشدُه أكبر من حشد الرئيس أوباما، وأسعار المستهلك في انخفاض، أو أنه حقق السلام في ثمانية صراعات عالمية).
قدّم الأسبوع الماضي مثالين واضحين على تطبيق دروس «روي». ففي خطاب الرئيس ترامب في دافوس أمام قادة العالم، وبينما كان يُدافع عن حق أميركا في السيطرة على جرينلاند، أهان الأوروبيين ووصفهم بالضعفاء، وهدّد بفرض عقوبات قاسية إذا لم يحصل على ما يريد.
وبعد الخطاب، وخلال مفاوضات مع القادة الأوروبيين أنفسهم، تراجع ترامب، وخرج باتفاق يُبقي على الوضع على ما هو عليه. ومع ذلك، أعلن ترامب النصر.
وبالمثل، يواجه البيت الأبيض مشكلات حقيقية في حملته لترحيل ملايين المهاجرين غير الشرعيين. خلال حملته الرئاسية، شنّ ترامب هجوماً لاذعاً، واصفا «الديمقراطيين» بالضعفاء، ومتهماً دول أميركا اللاتينية بفتح السجون ومستشفيات الأمراض العقلية لإغراق الولايات المتحدة بأشخاص خطرين، ويواصل الهجوم على المهاجرين أنفسهم، مما أثار الخوف والذعر. وبعد أن خصص «الجمهوريون» في الكونجرس عشرات الملايين من الدولارات لتوسيع وكالة إنفاذ قوانين الهجرة، كان الرئيس في أوج قوته.
كان لدى ترامب بوضوح أجندة أوسع من مجرد ترحيل «المهاجرين غير الشرعيين» الخطرين. فالولايات التي غمرها بعناصر إنفاذ القانون المسلحين يقودها حكام «ديمقراطيون»، في محاولة لترهيب الناس وإذلالهم. ورغم أن هذه الحملات الأمنية المتعلقة بالهجرة في واشنطن ولوس أنجلوس وشيكاغو وأوريجون ومينيابوليس كانت أكثر إشكالية من كونها ناجحة، إلا أن الرئيس ترامب يُعلن النصر دائماً ولا يُقر بالهزيمة أبداً.
كانت مينيابوليس أصعب مهمة واجهها الرئيس حتى الآن. فبعد مهاجمته وإهانة حاكم الولاية، وعضوة الكونجرس الصومالية الأميركية، والجالية الصومالية بأكملها، أرسل عناصره في استعراض ضخم للقوة (3000 عنصر فيدرالي مسلح، مقابل 600 شرطي من شرطة مينيابوليس). ما لم يتوقعه البيت الأبيض هو المقاومة الهائلة من سكان المدينة ذوي الأغلبية البيضاء. فقد نظم عشرات الآلاف وقفات احتجاجية ووفروا الحماية للمهاجرين في المدينة، وردّ عناصر الأمن الفيدراليون المرتبكون باستخدام القوة المفرطة. وفي يناير، قُتل اثنان من المتطوعين السلميين الذين كانوا يراقبون عمليات الاعتقال بالرصاص. على غرار نهج كون، ردّ مسؤولو الإدارة بمهاجمة الضحايا، واصفين إياهم بـ«الإرهابيين المحليين»، دون الاعتراف بأي خطأ.
في الماضي، كان هذا النهج يُرضي مؤيدي الرئيس ويُعمّق الانقسام الحزبي. لكن هذه المرة، انتقد بعض أعضاء مجلس الشيوخ وحكام الولايات الجمهوريين جرائم القتل، والأساليب المفرطة المُستخدمة، وأكاذيب العديد من مسؤولي البيت الأبيض.
وهنا تكمن المفارقة، وربما تُثير استياء روي كوهن. فبدلاً من التحدي، بدا الرئيس ترامب وكأنه يتراجع. اتصل بحاكم مينيسوتا، وأقال «القائد» الذي أرسله للإشراف على العمليات، وألمح إلى تقليص وجود قوات إنفاذ القانون في الأسابيع المقبلة.قد تكون هذه التحركات مجرد تغيير في الصورة العامة وليست تغييراً في التكتيكات، ومحاولة لتهدئة الأوضاع المتوترة، خاصةً مع قلق أعضاء حزبه بشأن انتخابات نوفمبر. لكن هذا التراجع، إلى جانب التراجع في ملف جرينلاند، يشير إلى بدايات إدراك أن نصائح «روي» كون لها حدود عندما تصطدم بوقائع عنيدة لا يمكن تجاهلها.
*رئيس المعهد العربي الأميركي- واشنطن
إقرأ المزيد


