الاقتصاد البريطاني.. تحديات جديدة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

خبر نمو الاقتصاد البريطاني بنسبة ضئيلة بلغت 0.1% في الربع الأخير من عام 2025، أي نصف ما توقعه الاقتصاديون، لم يُحسّن من أسوأ أسبوع لرئيس الوزراء كير ستارمر في منصبه. فبعد أن دعا زعيم حزب العمال الأسكتلندي إلى استقالته بسبب موافقته شخصياً على تعيينين متورطين في فضائح، بذل ستارمر، الذي يُعد الآن رئيس الوزراء الأقل شعبية في تاريخ استطلاعات الرأي البريطانية، قصارى جهده لإخفاء الأرقام السيئة.
كان نمو الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة بنسبة 1.4% العام الماضي أفضل من أداء الاقتصادات الأوروبية الكبرى، متجاوزاً أداء ألمانيا الذي بلغ 0.2%. قد يجادل رئيس الوزراء بأن الكأس نصف ممتلئة. إلا أن «بنك إنجلترا» خفّض توقعاته لنمو هذا العام إلى 0.9% بدلاً من 1.2% سابقاً. وفي غياب تحسن اقتصادي مستدام، تواجه هذه الحكومة غير المتماسكة - سواء بقي ستارمر على رأسها أم لا - مستقبلاً قاتماً.
ثمة متفائلون يرون أن البنك المركزي مخطئ، وأن عام 2026 سيكون عام انتعاش للمملكة المتحدة. ولا يقتصر هؤلاء على أعضاء حزب «العمال» المعتادين، بل يشملون أيضاً اقتصاديين يميلون إلى حزب «المحافظين»، ويعتقدون أن المملكة المتحدة، بعد الولايات المتحدة والصين، هي الدولة الأجدر بجني ثمار مكاسب الإنتاجية التي تُحققها ثورة الذكاء الاصطناعي. ويشير معهد الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان بجامعة ستانفورد إلى أن جامعات أكسفورد وكامبريدج وإمبريال كوليدج لندن تتصدر الابتكار، بينما تفتخر بريطانيا بوجود 13 شركة تكنولوجية عملاقة تُعرف باسم «يونيكورن»، تتجاوز قيمتها مليار دولار، متقدمةً بذلك على كل من ألمانيا وفرنسا.

وبغض النظر عن أوجه قصورها كاستراتيجية سياسية، لا تزال وزيرة الخزانة «راشيل ريفز» تتمتع بمصداقية لدى دائرة مؤثرة للغاية - وهي سوق السندات. ولن يرحب المتعاملون في الديون البريطانية باستبدالها بشخصية يسارية مسرفة. ولا يزال الإطار المالي للوزيرة قائماً، رغم مطالب نواب حزب «العمال» بإنفاق المزيد على الخدمات العامة ومعارضة المحافظين لزيادات الضرائب.
 يتوقع بنك إنجلترا أن يتباطأ التضخم ليقترب من هدفه البالغ 2% في الربع الثاني، بعد أن بلغ متوسطه 3.3% العام الماضي. وتستمر السياسة النقدية في التيسير، حيث يتوقع سوق العقود الآجلة خفضاً في سعر الفائدة في أبريل، وآخر بنهاية العام. وقد خففت هيئة السلوك المالي القيود المفروضة على قروض الرهن العقاري، وقد أخذ المقرضون ذلك بعين الاعتبار.
على الصعيد المحلي، تجادل «كارين وورد»، خبيرة في استراتيجيات السوق في بنك «جي بي مورجان تشيس»، بأن القطاع الخاص البريطاني يتمتع بوضع ممتاز لأن ديون الأسر كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي هي الأدنى منذ عام 2002. ومنذ الجائحة، راكم المستهلكون ودائع ضخمة تجاوزت تريليون جنيه إسترليني. وتشير إلى أن معنويات قطاع الأعمال شهدت انتعاشاً ملحوظاً في يناير، وأن ديون الشركات بلغت أدنى مستوياتها منذ عام 1998. ولكن لكي يبدأ البريطانيون بإنفاق هذه الأموال الطائلة، ولكي يزيد المسؤولون التنفيذيون استثماراتهم، لا بد من انتعاش ما أسماه الاقتصادي الكبير جون ماينارد كينز «الدافعية الاقتصادية».

وأظهر استطلاع الرأي الاجتماعي البريطاني الأخير أن الناخبين قد تحولوا بشكل حاسم ضد سياسات الإنفاق والضرائب المرتفعة. ويؤيد الكثيرون فكرة أنه «لو لم تكن برامج الرعاية الاجتماعية سخية للغاية، لتعلم الناس الاعتماد على أنفسهم».
ربما يكون ستارمر قد تجاوز أزمة قيادته مؤقتاً، لكن ما الثمن الذي دُفع لكسب ودّ نوابه؟ المؤشرات مقلقة. وبخطوات واثقة، أعلن وزير الطاقة «إد ميليباند» عبر وسائل الإعلام: «نحن مع الضعفاء، لا الأقوياء»، وهو خطاب يُعيد إلى الأذهان أيامه كزعيم للحزب حين كان المرشح المفضل لجناح اليسار المعتدل.
ومع ذلك، فإن العبء على أصحاب العمل يتزايد بالفعل. فقد وافقت ريفز على زيادات في الحد الأدنى للأجور وأجر المعيشة الوطني دون مبررات من مكاسب الإنتاجية. كما أن زيادتها غير المدروسة في مساهمات التأمين الوطني على أصحاب العمل رفعت تكاليف التشغيل بنحو 25 مليار جنيه إسترليني (34 مليار دولار) سنوياً. 
وقد تباهى ستارمر الأسبوع الماضي بجذوره «العمالية»، معلناً أن حزب «العمال» هو «حزب العمل». غير أن ضرائب وزيرة خزانته على التوظيف تضغط على الوظائف المبتدئة، خاصة في قطاع الضيافة. ووفقاً لأرقام جديدة جمعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، قفزت بطالة الشباب في بريطانيا إلى 15.3% في الأشهر الثلاثة حتى سبتمبر، متجاوزة المتوسط الأوروبي البالغ 15% للمرة الأولى منذ أن بدأت المنظمة جمع هذه البيانات قبل ربع قرن.
وبالصدفة لا عن قصد، ربما تكون ريفز قد عثرت على أحد حلول لغز الإنتاجية في بريطانيا. فالشركات لديها الآن كل الحوافز للاستثمار في تكنولوجيا موفرة للعمالة والذكاء الاصطناعي. سيرحب المتفائلون بمكاسب الإنتاجية الناتجة، بينما يتوقع المتشائمون أن تُهمَّش الطبقة العاملة، التي كانت تُشكّل القاعدة الشعبية لحزب العمال. تبدو مهمتا ستارمر الرئيسيتان - حماية البريطانيين المهمشين وتنمية الاقتصاد - متعارضتين بشكل خطير.

 *محرر ملحق «التايمز» الأدبي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد