جريدة الإتحاد - 2/21/2026 11:51:56 PM - GMT (+4 )
لعلّ أبرز تطورات السياسة التجارية لعام 2025 لم تكن تعريفات الرئيس دونالد ترامب الجمركية، بل رفض الحكومات الأجنبية الرد بالمثل. فرغم أن هذا الامتناع يُعدّ الأمثل اقتصادياً، إلا أن السياسيين عادةً ما يتبنون سياسة الرد بالمثل لأسباب سياسية واستراتيجية. لذا، عندما حذت الصين وكندا فقط حذو ترامب في نهجه الحمائي، كان الهدوء النسبي نتيجةً غير معتادة، وإن كان مُرحّباً به.
لكن هذا لا يعني أن الحكومات والشركات وحتى العديد من الأفراد ظلوا مكتوفي الأيدي، بل «ردوا» بطريقة أكثر ذكاءً: من خلال تقليل اعتمادهم المستقبلي على الولايات المتحدة، التي تبنّت سياسات حمائية متزايدة منذ عام 2016 على الأقل - وهي حمائية، ويا للمفارقة، قد تُفيد الدولة التي كان من المفترض أن تُقيّدها التعريفات.
بدأ ابتعاد أميركا عن مركز التجارة العالمية منذ سنوات، وتسارع في الأشهر الأخيرة. بحسب منظمة التجارة العالمية، بلغت حصة الولايات المتحدة من التجارة العالمية للسلع (الواردات والصادرات) في الربع الثالث إلى أدنى مستوى لها في تلك الفترة من العام منذ عام 2014، وكان الانخفاض المتوقع في عام 2024 أكبر من الخسارة التراكمية بين عامي 2015 و2024. وتضيف وكالة بلومبيرج نيوز أن حجم الحاويات الواردة عبر أميركا الشمالية - والتي تشكل الولايات المتحدة نحو 80% منها - تراجع بشكل ملحوظ العام الماضي. وتتوقع مجموعة بوسطن الاستشارية استمرار هذا الاتجاه في السنوات المقبلة، حيث ستنخفض حصة الولايات المتحدة من التجارة العالمية من 12% في عام 2024 إلى 9% بحلول عام 2034 بسبب «السياسات التي انتهجتها إدارة ترامب».
تُجري العديد من الدول الأخرى تجارتها فيما بينها بشكل متزايد، بينما تُجري تجارتها مع الولايات المتحدة بشكل أقل نسبياً. في العام الماضي، ارتفعت الصادرات الهندية إلى الصين والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على الرغم من تأثير التعريفات الأميركية المرتفعة سلباً على المبيعات في أميركا. وحققت البرازيل وتشيلي والأرجنتين وبيرو أرقاماً قياسية في الصادرات، ويعود ذلك بشكل رئيس إلى زيادة التجارة مع الصين وبقية دول العالم، وليس مع الولايات المتحدة. صحيح أن دول «الآسيان» لا تزال تُصدّر كميات كبيرة إلى أميركا، ولكن غالباً كجزء من سلسلة توريد آسيوية تعتمد على المدخلات والاستثمارات الصينية. واليوم، تقود التجارة بين الدول النامية، خاصة في شرق آسيا وأفريقيا، نمو التجارة العالمية، بينما تعاني أميركا الشمالية وأوروبا من الركود.
ولا تزال الولايات المتحدة اقتصاداً ضخماً، بالطبع، ولم تحذُ جميع الأسواق حذو الصين. لا تزال كندا والمكسيك تعتمدان على الاقتصاد الأميركي، وهما مندمجتان بشكل كبير في سلاسل التوريد في أميركا الشمالية. ولا يزال الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة يُتاجران بكميات كبيرة من السلع والخدمات مع الولايات المتحدة، وبمستويات أعلى مما كانت عليه قبل عقد من الزمن.
مع ذلك، حتى هذه الأسواق تشهد بعض التحولات الطفيفة: فمبيعات النفط الكندية إلى الصين تشهد ازدهاراً ملحوظاً (وتتجه لاحقاً نحو الهند)، بينما يقضي السياح الكنديون عطلاتهم في أماكن أخرى في إطار انخفاض أوسع نطاقاً في السفر الدولي إلى الولايات المتحدة. وقد استأنفت الشركات الألمانية استثماراتها في الصين، وأوقفت التوسع في فروعها الأميركية، ويعود ذلك جزئياً على الأقل إلى سياسات ترامب التجارية. ويعيد المستثمرون الأوروبيون النظر في حيازاتهم من الأصول المالية الأميركية، بما في ذلك الدولار، مما يُفسر جزءاً من الضعف العام الذي شهده الدولار منذ هجوم ترامب على الرسوم الجمركية في «يوم التحرير».
وبنفس القدر من الأهمية، تسعى الحكومات جاهدةً إلى إبرام اتفاقيات تجارية جديدة للحد من تأثر اقتصاداتها بتقلبات السياسة الأميركية. وقد وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقيات تجارة حرة منفصلة خلال الاثني عشر شهراً الماضية مع السوق المشتركة لأميركا الجنوبية (ميركوسور) والهند، ما أدى إلى إلغاء نحو 90% من الرسوم الجمركية الثنائية، وتغطية ما يقرب من ملياري نسمة وربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي. كما حدّث الاتحاد الأوروبي اتفاقيته التجارية مع المكسيك، وأبرم اتفاقية جديدة مع إندونيسيا، التي وقّعت بدورها اتفاقية منفصلة مع كندا. وأبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع المملكة المتحدة وعُمان ونيوزيلندا، بينما حسّنت الصين اتفاقيتها مع دول الآسيان.
ورغم أن هذه الاتفاقيات ليست مثالية، إلا أنها أكثر تفصيلاً وتحريراً وشمولية من بنود الاتفاقيات المبهمة، أحادية الجانب، وغير القابلة للتنفيذ التي وقّعتها إدارة ترامب. في كثير من الحالات، صاغت الأطراف الموقعة على هذه الاتفاقيات، بما في ذلك بعض أقرب حلفائنا، جهودها صراحةً كوسيلة للتحوط ضد عدم موثوقية الولايات المتحدة. أفادت وكالة بلومبيرج نيوز يوم الأربعاء أن ترامب يفكر الآن سراً في الانسحاب من اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، مما يزيد من حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الاتفاقية في المفاوضات المحورية التي تشمل الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. لا عجب إذن في حرص الحكومة الكندية على تنويع اقتصادها بعيداً عن جارتها الجنوبية.
تُعدّ جميع هذه الاتفاقيات - إلى جانب عشرات الاتفاقيات الأخرى التي أُبرمت منذ أن صادقت واشنطن على آخر اتفاقية تجارة حرة جديدة - جزءاً من اتجاه أوسع نحو زيادة التكامل العالمي خارج الولايات المتحدة.
من المرجح أن يكون هذا التنويع مفيداً للأطراف غير الأميركية، لا سيما في ظل تهديدات ترامب بفرض تعريفات جمركية وبدائل السياسة الداخلية الأكثر تكلفة مثل الإعانات. قد يكون هذا التحول مفيداً للاقتصاد العالمي، بقدر ما يُخفف من حدة الصدمات التجارية المستقبلية القادمة من أميركا الشمالية. لكنه بالتأكيد ليس في صالح الولايات المتحدة على المديين القريب والبعيد.
إن تراجع حصة الولايات المتحدة في التجارة العالمية وتوافر أسواق بديلة أمام المصدّرين الأجانب جعلا عبء الرسوم الجمركية يقع أساساً على الشركات والمستهلكين الأميركيين، لا على الخارج. فبدلاً من خفض الأسعار، حوّل المنتجون تجارتهم إلى أسواق أخرى، بينما أظهرت الدراسات أن الأميركيين هم من دفعوا الثمن عبر ارتفاع الأسعار وتكاليف المدخلات.
وعلى المدى الطويل، يؤدي انسحاب الولايات المتحدة من الاقتصاد العالمي إلى تراجع نفوذها ومرونتها وأمنها وازدهارها، في وقت تمضي فيه بقية الدول نحو تكامل أعمق واتفاقيات جديدة.
سكوت لينسيكوم*
خبير اقتصادي في معهد كاتو، متخصص في السياسة الداخلية والتجارة الدولية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


