جريدة الإتحاد - 2/22/2026 11:36:38 PM - GMT (+4 )
مع ثبوت رؤية هلال رمضان، لم يكن المشهد في الموصل عادياً في الليلة الأولى من التراويح، سارع أبناء العراق إلى باحات جامع النوري الكبير، يستحضرون مساءات رمضان الجميلة في رحاب هذا المسجد الأثري، فقد عاد الأذان يتردد من جوار المئذنة الحدباء منذ سبتمبر الماضي، كأنه يستعيد صدى قرونٍ من التاريخ. كان الفرح واضحاً في العيون، لكن خلفه كانت ذاكرة سنواتٍ ثقيلة من الغياب والدمار. لذلك بدت الصلاة تلك الليلة حدثاً يتجاوز الشعيرة إلى المعنى: معنى العودة، ومعنى الانتصار على محو الذاكرة.
لم تكن إعادة افتتاح الجامع في سبتمبر الماضي مجرد إنجاز عمراني، وإنما رأى فيها العراقيون محطة رمزية في مسار تعافي مدينة عريقة ضاربة بجذورها في قلب الحضارة والمدنية، عانت ما عانته من أهوال عصفت بها وبأهلها في سنوات عصيبة.
وهذا ما عكسته كلماتهم البسيطة التي عبروا فيها عن فيض مشاعرهم، عن شكرهم لدولة الإمارات العربية المتحدة، ولصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، على المبادرة التي أسهمت في إعادة بناء هذا المعلم التاريخي. فجامع النوري ليس مسجداً محلياً فحسب، إنه أحد أبرز رموز الموصل، وركيزة من ركائز هويتها الثقافية والدينية.
كانت المدينة تستعيد مع المسجد العريق جزءاً من الذاكرة الجماعية التي تشكل أحد أعمدة الهوية، وتبعث مشاعر الفخر الوطني، وتبث الأمل في النفوس بالقدرة على استرجاع ذاتها ومعالمها التي أصبحت مهددة بالضياع، وتغمر قلوب الحشود التي تتوجه إلى الصلاة في رحاب المسجد بالتفاؤل والاستبشار بأن القادم أفضل، وأن مشروعات أخرى يمكن أن تعيد المدينة التاريخية إلى ما كانت عليه في أزمنة التألق والازدهار.
أُنجز المشروع ضمن مبادرة «إحياء روح الموصل»، التي أطلقتها دولة الإمارات بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ليكون نموذجاً للتعاون الدولي في حماية التراث بعد النزاعات، إذ لم يقتصر على إعادة بناء الجامع ومئذنته، بل امتد ليشمل برامج تدريب للكوادر المحلية، واستخدام تقنيات توثيق وأرشفة دقيقة لضمان الحفاظ على الطابع التاريخي للمعلم. هكذا تلاقت العاطفة مع المهنية، والرمزية مع المعايير العلمية في الترميم.
لكن للأحداث الكبرى وجهاً آخر لا يُقاس بالأرقام وحدها. فحين اصطف المصلون في صفوف التراويح الأولى، كان الجامع يستعيد وظيفته الاجتماعية بوصفه ملتقى يجتمع فيه الناس، ويتصافحون، ويتبادلون الطمأنينة. ولاشك أن دور العبادة تؤدي في المجتمعات التي مرت بتجارب عنيفة دوراً محورياً في ترميم النسيج الاجتماعي، لأنها تُعيد بناء الثقة بين الأفراد قبل أن تُعيد بناء الجدران.
وتندرج هذه المبادرة ضمن رسالة أوسع انتهجتها دولة الإمارات في دعم بناء وترميم المساجد حول العالم، انطلاقاً من رؤية تعتبر المسجد مساحة عبادة، ومنبر اعتدال، ومركز إشعاع ثقافي. فقد أسهمت مؤسسات إماراتية، مثل مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية والهلال الأحمر الإماراتي، في تنفيذ مشاريع لبناء مساجد أو إعادة تأهيلها في دولٍ آسيوية وأفريقية، إضافة إلى دعم ترميم مساجد تاريخية في دول عربية. هذه المشاريع، في بعدها العملي، تندرج ضمن العمل الإنساني والتنموي، وفي بعدها الرمزي تعكس التزاماً بحماية الهوية الدينية والثقافية للمجتمعات.
إن ما جرى في الموصل يختصر فكرة جوهرية، وهي أن الإعمار الحقيقي هو ذاك الذي يجمع بين الحجر والإنسان. فالمباني يمكن أن تُعاد في سنوات، لكن الثقة تحتاج إلى زمنٍ وإلى مبادرات صادقة تعيد للناس شعورهم بالانتماء. وهكذا لم يكن الجامع النوري الكبير في ليلة التراويح الأولى مجرد مبنى مُرمَّم، وإنما كان شهادة على قدرة المدن على النهوض، وعلى أن التعاون العربي قادر على أن يصنع قصة أملٍ بعد كل انكسار.
وهكذا، وفي كل تكبيرةٍ سترتفع من باحات الجامع، ستتجسد رسالة الإمارات الواضحة، وهي أن بناء المساجد ليس فعلاً معمارياً بقدر ما هو استثمار في الإنسان، وفي ذاكرة المكان، وفي مستقبلٍ أكثر اتزاناً وسلاماً.
*كاتب إماراتي.
إقرأ المزيد


