الحرب على إيران.. أصداء عالمية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ما هي الحصيلة المؤقتة للضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران؟ على الصعيد العسكري، تمثّل تلك الضربات نجاحاً كبيراً، حيث تم تدمير جزء كبير من الترسانة الإيرانية، غير أن النجاح العسكري لا يفيد كثيراً إذا لم يكون مقروناً بنجاح سياسي. بالطبع، إذا حدث تغيير في النظام الإيراني وقام نظام موال للولايات المتحدة، فسيمثّل ذلك نجاحاً سياسياً. غير أن ذلك ليس هو السيناريو الأرجح، نظراً لأنه لم يحدث قط أن سقط نظام نتيجة لعملية عسكرية جوية، وخاصة أن قواعد النظام الإيراني هشة من حيث الدعم الشعبي، ولكنها قوية من حيث القدرة على البقاء في السلطة.
وهنا تحديداً حيث يمكن أن يظهر خلاف بين نتنياهو وترامب. ذلك أن نتنياهو قد يرضى تماماً بانقسام إيران إلى عدة دول وتزعزع استقرار المنطقة. والفشل السياسي يمكن أن يؤدي إلى شرخ بين إسرائيل والولايات المتحدة.
أما بالنسبة لدول الخليج، فالوضع مقلق، إذ تعرّضت هذه الدول المستقرة والآمنة لصدمة. وإيران تلعب دوراً سيئاً تجاهها، إذ تراهن على ضغط دول الخليج على واشنطن من أجل إنهاء هذه الحرب. غير أنه في الوقت نفسه، تعمل هذه السياسة على تسميم العلاقات بين طهران ودول الخليج.
أما بالنسبة لأوروبا، فإن الوضع كارثي. فقد صرّح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بنفسه بأنه لم يستشَر ولم يبلّغ بالضربات.

ومرة أخرى، انقسمت الدول الأوروبية على نفسها. ولكن اللافت هنا أن المعارضة الفرنسية لهذه العملية العسكرية الأميركية الإسرائيلية أقل حزماً وشدة مما كانت عليه في عام 2003 خلال حرب العراق، وأن إسبانيا هي التي تلعب الدور الذي لعبته فرنسا في ذلك الوقت.
انقسام الدول الأوروبية تجلى بشكل خاص في موقف المستشار الألماني، التي بدا متضامناً مع دونالد ترامب في إدانة إسبانيا، شريكته في الاتحاد الأوروبي. ومرة أخرى، كشفت الحرب التناقضات بين الأوروبيين. ذلك أن التزامهم بالقانون الدولي انتقائي وغير ثابت، حيث توارى هذا الالتزام في حالة نيكولاس مادورو، وتوارى مرة أخرى في حالة إيران. والأكيد أن الأوروبيين لا يحبون النظام الإيراني، وهو أمر يمكن تفهمه، ولكن لا بد من احترام القانون الدولي. والحال أن ما تظهره الدول الأوروبية في الوقت الراهن هو أن التزامها بالقانون الدولي متقلب وغير ثابت.
أما من منظور موسكو، فهناك خبر سار وآخر سيء. أما الخبر السيئ، فهو أنه بعد مادورو، وبعد كوبا، وحتى بعد بشار الأسد، نلاحظ مرة أخرى أن الضمان الاستراتيجي الروسي لا يؤدي إلى تغيير مهم، خاصة ضد الضربات التي استهدفت إيران، كما أنها لا تريد أن تصطدم بشكل مباشر مع الولايات المتحدة لأن أوكرانيا أكثر أهمية بالنسبة لها من إيران. وبالمقابل، تبدو أوكرانيا كشريك مستعد لتقديم المساعدة في مجال مكافحة الطائرات المسيرة إلى الولايات المتحدة.
أما الخبر السار، فيتمثل في أن هذه الحرب أدت إلى ارتفاع أسعار المواد الخام للطاقة، التي تُعد المصدر الوحيد أو الرئيسي للإمدادات والعملات الأجنبية لروسيا. والهند، التي توقفت عن شراء النفط الروسي بفعل الضغط الأميركي، ستستورده لأنها لا تملك خياراً آخر. كما تبدو روسيا شريكاً موثوقاً أيضاً بالنسبة للصين، التي ستزيد مشترياتها من النفط والغاز منها قليلاً.
والأكيد أن ارتفاع أسعار الطاقة خبر سيئ بالنسبة للصين، غير أن الصين تبدو، مرة أخرى، كشريك مستقر، وكدولة تسهم بشكل إيجابي في العلاقات الدولية، وتلتزم بالقانون الدولي، وليس كدولة تشن الحروب أو تنتهج سياسات المواجهة. وهكذا، سيضطر مراقبون كثر مرة أخرى للمقارنة بين صين تتحلى بالحكمة والتروي وولايات متحدة تفتقر لرؤية واضحة وميالة للحروب.
أخيراً، يجب متابعة تطور الوضع على الأرض بانتباه، لا سيما في لبنان وإيران، لأن الأضرار التي لحقت بالمدنيين جراء الضربات الإسرائيلية والأميركية قد تؤدي إلى اندلاع احتجاجات.
هذه إذن هي أول حصيلة جيوسياسية مؤقتة. غير أنه إذا لم يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بسرعة، فإن الأخبار السيئة على الصعيد الاقتصادي والبيئي وفيما يتعلق بالضحايا المدنيين ستتوالى وتزداد.

 

*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس. 



إقرأ المزيد