جريدة الإتحاد - 3/15/2026 11:20:00 PM - GMT (+4 )
طالت الاعتداءات الإيرانية مواقع الطاقة في دول الجوار، وارتدّت الحرب الإسرائيلية-الأميركية-الإيرانية على الاقتصاد العالمي، بعد تهديد منشآت النفط والناقلات في مضيق هرمز، ما جعل الاضطراب والارتفاعات الحادة في الأسعار سمةً للسوق على وقع الحرب، مع غموض اقتصادي يلوح في الأفق، يرتكن على مدى الحرب.
لقد تعطلت تدفقات النفط والغاز المارة عبر مضيق هرمز، الشريان التجاري الحيوي للعالم، بعد إغلاقه من الجانب الإيراني، ليتناقص فائض المعروض العالمي، ويزيد من التداعيات على الأسواق حتى ما بعد إعادة فتح الممر الملاحي بفترة طويلة، الأمر الذي أثّر على 7.5% من الإمدادات العالمية (وكالة الطاقة الدولية) في اضطراب تاريخي بإمدادات النفط العالمية.
وفي محاولة لتهدئة السوق، وافقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية على سحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة، وقرّرت الإدارة الأميركية الإفراج عن 172 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي.
وأدى الاضطراب في العرض النفطي إلى خفض توقعات الوكالة بفائض عالمي في عام 2026 بأكثر من الثلث بقليل، ليصل إلى نحو 2.4 مليون برميل يومياً، عقب توقّعات قبل الحرب بتسجيل تخمة قياسية في سوق النفط، مع ارتفاع الإنتاج في الأميركتَين بوتيرة تفوق نمو الطلب العالمي.
في المجمل، يبدو الاستقرار في السوق بعيداً، وسط توقُّف ناقلات النفط عن المرور عبر مضيق هرمز الحيوي، والتهديدات الإيرانية التي تستهدف المنشآت النفطية، إنتاجاً وتصديراً.
ومع استمرار الاعتداءات الإيرانية على ناقلات النفط، فإن التبعات تتحول تدريجياً إلى اضطراب أكبر في أسواق الطاقة العالمية، ورفع مستوى المخاطر على حركة الملاحة والبنية النفطية في الخليج العربي. تتحمل منطقة الخليج العربي العبء الأكبر من التداعيات المباشرة للحرب، وهذه الحرب وضعتها بين وقف الإنتاج بحالة «القوة القاهرة»، أو تصدير النفط عبر ممرات بديلة.
ولا تزال الطرق البديلة للصادرات من منطقة الخليج لا تستوعب الكميات المطلوبة، ما اضطر الدول الخليجية إلى خفض إنتاجها اليومي بنحو 10 ملايين برميل، في وقت تواجه فيه الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، تحدياً لاستراتيجيتها لأمن الطاقة، خاصة مع اعتمادها على كمية معتبرة من النفط الإيراني.
أما أوروبا، فتعاني تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، وخطط انتقال الطاقة في القارة. وتُعد موسكو من المستفيدين، سواء من الأسعار أو تحول دفة الطلب إليها، بعد أن كان ممنوعاً، مستفيدة من إعفاء مؤقت سمح بشراء النفط الروسي. لم يقف التأثير عند النفط، بل طال الغاز الطبيعي والمسال، بعد هجمات على منشآت الإنتاج، ما دفع الشركات والدول إلى إعلان «القوة القاهرة». ونتيجة لحالة الاضطراب وعدم اليقين، ارتفعت تكاليف الطاقة العالمية والشحن، وزادت أسعار المنتجات المرتبطة بالطاقة.
ورغم ذلك، فإن سعر النفط هبط مع تفاؤل الأسواق باقتراب انتهاء الحرب مع الوعود الأميركية. لكن عندما عادت الشكوك، تقلّبت الأسعار من جديد، وعادت للصعود، فيما لا يزال مستقبل مضيق هرمز قيد القرار العسكري، وليس الاقتصادي. ورغم أن تأمين ناقلات النفط في مضيق هرمز له تكلفة كبيرة، فإنه يحمل مخاطر أكبر، فضلاً عن ذلك، فإن العودة إلى الوضع الطبيعي بالكامل، سواء في حركة الناقلات أو الأسعار إلى ما قبل الحرب، غير مرجحة في وقت منظور. ومع الآمال الكبيرة على الطاقة النظيفة والمتجددة في السنوات الأخيرة، فإن الطاقة الأحفورية لا تزال تمثّل عصب الاقتصاد العالمي. كما أن منطقة الخليج تمثّل الشريان المغذّي للطاقة في العالم، لذا فإن المخاوف العالمية تتصاعد بوتيرة سريعة، خشية استمرار التصعيد.
وكلما طال إغلاق مضيق هرمز، يزداد القلق والمخاوف على الاقتصاد العالمي، فيما تراهن إيران بقوة على ذلك، وتحرص على إثارة الرعب، ودفع الجميع للضغط من أجل وقف الحرب. وفي حال استمرار العمليات العسكرية في الخليج، ستبقى الأسعار في ارتفاع مع زيادة تكاليف الشحن، وتعرّض الاقتصادات لضغوط تكاليف الطاقة، وضغوط التضخم، وتشغيل المصانع والنقل البحري والجوي، وأسعار الأسمدة والمعدات الزراعية والغذاء، وانعكاس الأسعار على السلع الاستهلاكية وحياة الشعوب حول العالم، ما يضعف قدرة الدول الناشئة على النمو إذا استمرت حالة عدم اليقين.
لقد أضحت الطاقة ساحة حرب، حيث يستخدمها الأعداء كورقة في المواجهة، وتُوظَّف كسلاح لتوسيع نطاق الحرب، وتعظيم التكلفة الاقتصادية على الجميع بقصف منشآت الطاقة، لأن أي تهديد لمنشآت الطاقة أو الممرات يضغط حتماً على العالم بأسواق طاقة مضطربة من النفط والغاز، وتوتر في الأسواق المالية، تليها صدمات اقتصادية من ضغوط تضخمية، وتباطؤ في النمو الاقتصادي، وعدم استقرار مالي فوق أعباء الاقتصاد العالمي الرازح تحت أزمات معقّدة قبل الحرب.
*باحث رئيسي/ مدير إدارة الدراسات الاقتصادية - مركز تريندز للبحوث والاستشارات
إقرأ المزيد


