جريدة الإتحاد - 3/16/2026 10:51:43 PM - GMT (+4 )
ثلاثة وثلاثون كيلومتراً فقط تفصل بين استقرار الاقتصاد العالمي واحتمال اضطرابه. فالمضيق الضيق عند مدخل الخليج العربي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية وقرابة ثلث تجارة النفط المنقول بحراً في العالم، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. وفي هذه المسافة الصغيرة تختصر الجغرافيا واحدة من أكثر معادلات القوة حساسية في النظام الدولي.
فالسياسة الدولية، مهما تعقّدت نظرياتها، تبقى خاضعة في جوهرها لحقائق الجغرافيا. والممرات البحرية الكبرى لم تكن عبر التاريخ مجرد طرق للتجارة، بل أدوات تأثير استراتيجي، لأن التحكم في تدفق الطاقة والتجارة يمنح نفوذاً يتجاوز حدود المكان، ومن هنا يتحوّل مضيق هرمز إلى عقدة مركزية في شبكة الطاقة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، وإلى نقطة حساسة في ميزان القوّة بين الدول.
يكفي مجرد التوتر في مياهه ليُربك أسواق النفط العالمية، ويرفع تكاليف التأمين البحري، ويجبر شركات الشحن الدولية على إعادة حساباتها. فالجغرافيا هنا ليست خلفية للأحداث، بل أحد صانعيها، ولهذا لا تراقب دول الخليج وحدها ما يجري في هذا المضيق، بل تتابعه أيضاً العواصم الصناعية الكبرى في العالم التي يعتمد جزء كبير من اقتصادها على الطاقة القادمة من هذه المنطقة.
غير أن أهمية هرمز لا تكمن فقط في حجم التجارة التي تمر عبره، بل في نوع القوّة التي يمنحها لمن يقف على ضفافه. فالجغرافيا أحياناً تمنح أدوات ضغط تفوق في أثرها كثيراً من أشكال القوّة العسكرية التقليدية، لأنها تتحكم في الشرايين التي يتدفق عبرها اقتصاد العالم.
ومن هنا ظهرت خلال العقود الماضية معادلة يمكن تسميتها «الابتزاز الجغرافي»، بالقدرة على تهديد شريان اقتصادي عالمي من دون الحاجة إلى السيطرة عليه فعلياً. ففي عالم يعتمد على التدفق المستمر للطاقة والتجارة، يكفي إدخال عنصر عدم اليقين إلى الملاحة البحرية حتى يتحوَّل المضيق إلى عامل ضغط اقتصادي وسياسي واسع.
غير أن هذا الواقع يطرح سؤالاً أعمق: من المسؤول عن حماية هذا الشريان الحيوي؟ فالدعوات الأخيرة في واشنطن لمشاركة الحلفاء في تأمين مضيق هرمز تعكس إدراكاً متزايداً بأن استقرار هذا الممر لم يعد قضية إقليمية تخص دول الخليج وحدها، بل مسألة ترتبط مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي.
فالدول الصناعية الكبرى في أوروبا وآسيا تعتمد على الطاقة التي تعبر هذا المضيق بقدر اعتماد دول المنطقة عليه. ومن هذا المنظور يصبح السؤال منطقياً: إذا كانت فوائد هذا الشريان البحري عالمية، فلماذا تبقى مسؤولية حمايته محصورة في نطاق جغرافي ضيق؟
والإطار القانوني الدولي يدعم هذا التوجه. فاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تكفل حق «المرور العابر» في المضايق الدولية وتُلزم الدول الساحلية بعدم عرقلته. غير أن القانون وحده لا يحمي الممرات البحرية، فحمايتها تتطلب إرادة سياسية وقدرة ردع فعلية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء منظومة دولية لحماية مضيق هرمز تقوم على توزيع المسؤوليات وفق مبدأ التناسب بين الاستفادة والمساهمة.
وبذلك يتحوّل هرمز من مشكلة إقليمية إلى مسؤولية دولية مشتركة. فلا أحد يستطيع الاستغناء عنه، وهذه الحقيقة ذاتها هي التي تجعل الدعوة إلى تحالف دولي لحمايته منطقاً لا مفر منه، لا مجرد خيار سياسي بين خيارات.
ومع بقاء المضيق بهذه الأهمية الاستثنائية، تظل معادلة «الابتزاز الجغرافي» حاضرة في خلفية المشهد. فالممرات البحرية الضيقة في عالم يعتمد على التدفق المستمر للطاقة والتجارة تصبح نقاطاً شديدة الحساسية في بنية الاقتصاد الدولي.
وفي هرمز تحديداً لا تحتاج القوّة إلى السيطرة على الطريق كي تؤثر في العالم، يكفي أن تقف على حافته لتضع اقتصاد الكوكب كله تحت التهديد.
*كاتب وباحث إماراتي.
إقرأ المزيد


