مثقفون.. أم ميليشيا المعنى؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 في اللحظات التي تتداخل فيها خرائط النفوذ وتتشابك فيها مشاريع الهيمنة تحت عناوين أخلاقية جذّابة، لا يكون الامتحان الحقيقي للمثقّف في حدّة خطابه ولا في كثافة انخراطه في سجالات الاصطفاف، بل في قدرته على صيانة المسافة النقدية، التي تمنع تحوّله إلى مجرّد صدى لسرديات القوة. هنا تنكشف مفارقة مقلقة في بعض التجارب الثقافية العربية المعاصرة: إذ ينتقل المثقّف من موقع الضمير الذي يضيء التعقيد ويكشف التناقض إلى موقع الناطق غير الرسمي باسم مشاريع إقليمية تتغذى من توسيع مناطق الاضطراب وإعادة إنتاج منطق الجبهات المفتوحة.

لقد عرفت الثقافة العربية في تاريخها الحديث لحظات تعبئة كبرى، حين صيغت القومية بوصفها أفقاً للتحرر واستعادة المبادرة الحضارية. غير أن هذا الأفق حين انغلق داخل ذاكرة شعاراتية فقد مرونته التأويلية، وتحوّل من مشروع قراءة للواقع إلى آلية لإدانته. ومع صعود خطاب الإسلام السياسي في صيغته التعبوية، أعيد إنتاج المنطق ذاته بلغة أكثر شحنة وجدانية، فغدا كل صراع إقليمي امتداداً لمعركة كونية بين معسكرات مطلقة، وتحوّلت مفاهيم كـ«الهوية» و«المقاومة» و«العدالة» إلى مفاتيح تعبئة جاهزة لا تحتمل مساءلة التفاصيل ولا تعترف بتعقيد الوقائع.
في هذا المناخ تشكّل ما يمكن تسميته بـ«ميليشيا المعنى»، وهي جبهة ثقافية رمزية تتولى مهمة التأصيل السردي لمشاريع النفوذ. فبدل مساءلة دور الميليشيات العابرة للحدود في تفكيك الدول واستنزاف المجتمعات، يُعاد تقديمها في بعض الخطابات بوصفها تجليات بطولية لمقاومة تاريخية. وبدل طرح سؤال السيادة والاستقرار، يُعاد توجيه النقاش نحو سؤال الموقع في معادلة المواجهة الكبرى، حيث يصبح الانحياز معياراً أخلاقياً بديلاً عن النقد، ويغدو الاصطفاف فضيلة ثقافية تتقدم على واجب التفكيك والتحليل.
إن هذا التحول من النقد إلى التبرير ليس مجرد انزلاق سياسي عابر، بل هو تعبير عن مأزق عميق في تعريف «الهوية». فحين تُختزل العروبة أو الانتماء الحضاري في منطق الجبهة، يسهّل شرعنة كل تدخل خارجي يُقدَّم في صورة مواجهة لخصوم تاريخيين، حتى لو كان ثمنه تفكيك الدولة الوطنية وتعميق اقتصاد الفوضى. وهكذا تتكوّن جبهة إسناد ثقافية موازية للجبهات العسكرية، تؤدي وظيفة تطبيع السردية داخل المجال العام وتمنحها شرعية رمزية تتجاوز وزنها الواقعي.
ولا تقف خطورة هذا المسار عند حدّ نتائجه السياسية، بل تمتد إلى أثره على البنية الأخلاقية للثقافة. فالمثقف الذي يعيد تعريف الحرية والسيادة وفق حسابات التحالف الظرفي يفقد تدريجياً صدقيته الرمزية، ويتحوّل الخطاب الحقوقي في يده إلى أداة انتقائية تُستدعى حين تخدم السردية وتُغيَّب حين تربكها. ومع تراكم هذا النمط، تتآكل الثقة بين المجتمع والنخبة الثقافية، لأن الجمهور يلمس التباين الصارخ بين شعارات كبرى تُرفع في الفضاء العام ومواقف عملية تُدار بمنطق المصلحة الأيديولوجية الضيقة.
في المقابل، شهد الإقليم تحولات عميقة أعادت تعريف معنى القوة والريادة. فقد برزت تجارب عربية اختارت الاستثمار في التنمية وبناء المؤسسات وتحصين المجال الوطني بوصفه الطريق الأكثر فاعلية لصناعة النفوذ. هذا الانتقال من خطاب التعبئة إلى منطق الإنجاز أربك خرائط ذهنية رسّخت طويلاً أن المكانة تُقاس بحدة الصراع لا بقدرة البناء. ولذلك لم يكن غريباً أن تواجه هذه النماذج بنقد يتجاوز التقييم الموضوعي ليقترب أحياناً من نزعة تقليلية تستبطن قلقاً من تحوّل مركز الثقل العربي نحو براغماتية جديدة تعيد ترتيب الأولويات.

والتضامن مع القضايا العادلة لا يبرر الانخراط في تسويغ مشاريع نفوذ قد تُسهم في إضعاف المجتمعات التي يُفترض الدفاع عنها. كما أن استعادة المعنى الحضاري للعروبة لا يمكن أن تتم عبر استدعاء قاموس التعبئة، بل عبر المشاركة في صياغة أفق تنموي يوازن بين الكرامة الإنسانية ومتطلبات الاستقرار. فالثقافة التي تفقد شجاعتها النقدية تتحول سريعاً إلى جهاز تبرير، والمثقف الذي يتخلى عن وظيفته التأويلية يغدو مجرد عنصر في آلة صراع لا تصنع المستقبل بل تؤجل انهياره.لقد دخلت المنطقة طوراً جديداً تتراجع فيه فاعلية السرديات الكبرى القائمة على استحضار الماضي، وتتقدم فيه أهمية الكفاءة المؤسسية والاقتصاد المعرفي وشبكات الشراكة الدولية. وفي هذا الطور لم يعد المثقف قادراً على الاحتماء ببلاغة الاصطفاف، بل صار مطالباً بأن يكون مهندسِ معنى يحرر الهوية من أسر الشعارات ويعيد وصلها بضرورات العصر. وعندما يُعاد كتابة تاريخ هذه المرحلة، لن يُقاس دور المثقفين بعلو أصواتهم في جبهات الإسناد، بل بقدرتهم على حماية المعنى الأخلاقي للثقافة وعلى رفض الانخراط في ميليشيات الخطاب التي تزيّن الهيمنة باسم المقاومة وتبرّر الفوضى باسم الحرية.
* أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة. 



إقرأ المزيد