إيران.. ودروس حرب السويس
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 في 29 أكتوبر 1956، شنّت إسرائيل هجوماً مفاجئاً على القوات المصرية في صحراء سيناء. وبعد يومين، غزت بريطانيا وفرنسا مصر، بذريعة تأمين قناة السويس بعد أن قام الرئيس جمال عبد الناصر بتأميمها في وقت سابق من ذلك العام. كانت الحرب قد تم التخطيط لها سراً خلال اجتماع عُقد في سيفر بفرنسا بين 22 و24 أكتوبر 1956 عسكرياً، كانت العملية سريعة وفعّالة، لكنها سياسياً كانت كارثية. جاء غزو السويس وسط أزمتين أخريين: قمع سوفييتي وحشي للانتفاضة المجرية، والحملة الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة. كان الرئيس دوايت أيزنهاور غاضباً بشدة لعدم إبلاغه من قبل أقرب حلفائه، فأدان الهجوم.

ومارست واشنطن ضغوطاً مالية ساحقة على لندن، شملت سحب دعمها للجنيه الإسترليني. وخلال أسابيع، اضطر رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن وشركاؤه الفرنسيون إلى انسحاب مهين. وخرج عبد الناصر أقوى لا أضعف. وقد مثّلت أزمة السويس نهاية الهيمنة البريطانية-الفرنسية في الشرق الأوسط، وأكدت صعود الولايات المتحدة كقوة خارجية رئيسية في المنطقة. التشبيهات التاريخية ليست كاملة أبداً، ولا تنطبق بالضرورة على الحاضر في ظل تغيرات هائلة شهدها العالم والنظام الدولي، لكن أصداء الماضي اليوم يصعب تجاهلها، وينبغي استيعاب دروسها.

شنت إدارة ترامب، بالتنسيق الوثيق مع إسرائيل، ضربات عسكرية على إيران دون استشارة مسبقة مع حلفاء رئيسيين أوروبا أو آسيا أو الخليج. وقد حققت العمليات الأولية نجاحاً تكتيكياً ساحقاً، إذ ألحقت أضراراً بالبنية التحتية العسكرية الإيرانية، وأظهرت التفوق الأميركي. ومع ذلك، وكما حدث عام 1956، لم تُترجم انتصارات ساحة المعركة إلى وضوح استراتيجي. ردّت إيران بحرب غير متكافئة: هجمات صاروخية، وعمليات عبر وكلاء، واضطرابات سيبرانية، والأهم من ذلك، عرقلة حركة الشحن في مضيق هرمز - وهو أهم ممر للطاقة في العالم.

وقد ترددت أصداء الصدمة الاقتصادية عالمياً، فارتفعت أسعار الطاقة، واضطربت الأسواق، وازداد قلق الحكومات من طوكيو إلى برلين. حتى لحظة كتابة هذه السطور، لا توجد نهاية واضحة في الأفق. وعلى عكس صربيا عام 1999، لا يمكن إخضاع إيران بسهولة عبر القوة الجوية وحدها، كما أن انهيار النظام ليس وشيكاً. بدلاً من ذلك، تواجه الولايات المتحدة مواجهة طويلة بأهداف غير واضحة وتكاليف متزايدة. ومما يثير القلق أيضاً التداعيات الدبلوماسية.. دول الخليج العربية تتعرض لاعتداءات سافرة من إيران.

أما الحلفاء الأوروبيون والآسيويون، الذين يعتمدون اعتماداً كبيراً على تدفقات الطاقة من الشرق الأوسط، فقد فوجئوا بالتحرك أحادي الجانب الذي قامت به واشنطن. إن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تصرفت باندفاع - دون بناء تحالفات أو استراتيجية سياسية محددة - يُهدد بتقويض الثقة في القيادة الأميركية في وقتٍ يُهدد فيه الاستقرار العالمي. لقد أظهرت أزمة السويس عام 1956 أن القدرة العسكرية لا تضمن النجاح السياسي. فقد اكتشفت بريطانيا وفرنسا أن الجيوش المنتصرة يمكن أن تُجبر على الانسحاب إذا ما تحولت الضغوط المالية والعزلة الدبلوماسية والرأي العام الداخلي ضدها.

واليوم، ومن خلال دروس حرب السويس، يمكن القول أن الولايات المتحدة الأميركية أقوى بكثير مما كانت عليه بريطانيا عام 1956، لكنها ليست محصنة ضد الاضطرابات الاقتصادية أو إرهاق الحلفاء أو ردود الفعل العالمية.ثمة مفارقة تاريخية مُقلقة. فقد صوّر منتقدون دونالد ترامب أحياناً كنسخة حديثة من «نيفيل تشامبرلين» (رئيس وزراء المملكة المتحدة من مايو 1937 إلى مايو 1940) العصر الحديث لتردده في مواجهة روسيا بشأن أوكرانيا.

إلا أن الخطر الآن يكمن في أن احتمالات حدوث واقع قد يُشبه حالة أنتوني إيدن، الزعيم الذي خاض مغامرة عسكرية جريئة لاستعادة الردع والهيبة، ليُشعل أزمةً عجّلت من تراجع بلاده الاستراتيجي. إذا طال أمد الصراع مع إيران، وإذا ظلت الأسواق العالمية غير مستقرة، وإذا خلص الحلفاء إلى أن عملية صنع القرار في الولايات المتحدة أصبحت غير قابلة للتنبؤ، فقد تمتد التداعيات طويلة الأمد إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة.

* مدير البرامج الاستراتيجية بمركز ناشيونال إنترست.
 



إقرأ المزيد