جريدة الإتحاد - 3/20/2026 10:56:00 PM - GMT (+4 )
الإمارات تحتضن عدداً من المؤسسات والمبادرات التي يتجاوز أثرها حدود الدولة إلى المجالين الإقليمي والدولي. ففي أبوظبي تأسس عام 2014 «مجلس حكماء المسلمين» بهدف نشر ثقافة السلام وتعزيز الحكمة في مواجهة خطابات التطرف
يمثل اليوم الدولي للقضاء على التمييز العنصري الذي يحلّ في 21 مارس من كل عام مناسبة لتسليط الضوء على أهمية تعزيز الحوار بين الثقافات، وترسيخ التعايش السلمي، ودعم الأخوة الإنسانية، ومكافحة الكراهية والعنف، مع تقييم دور العدالة والمساواة في بناء مجتمعات متماسكة ومستقرة تتمكن من مواجهة التحديات الثقافية والاجتماعية المعاصرة.
وتكتسب هذه المناسبة في دولة الإمارات العربية المتحدة معنىً أعمق، إذ تمثّل امتداداً لمسار طويل من السياسات والرؤى والمبادرات التي جعلت من التسامح والتعايش ركيزةً أصيلةً في بنية الدولة والمجتمع منذ قيام الاتحاد في الثاني من ديسمبر عام 1971.
فمنذ اللحظات الأولى لتأسيس الدولة، رسّخ المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، رؤيةً واضحةً مؤداها أن الاستقرار والتنمية لا يتحققان إلا في ظل مجتمع يقوم على الاحترام المتبادل، والتعايش بين الثقافات المختلفة، وتحولت هذه الرؤية إلى نهج عملي أسهم، على مدى العقود الماضية، في ترسيخ الإمارات نموذجاً إنسانياً متقدماً في إدارة التنوع.
ويتجلى هذه النهج الراسخ في التركيبة السكانية للدولة، إذ تحتضن أكثر من 200 جنسية يعيش أبناؤها ويعملون على أرضها، ضمن بيئة يسودها الاحترام المتبادل وسيادة القانون، وهو ما يجعلها واحدة من أكثر دول العالم تنوعاً من حيث الخلفيات الثقافية والدينية.
ولعل هذا الانفتاح ليس بعيداً عن طبيعة الموقع الجغرافي للإمارات، التي تشكّل نقطة وصل بين الشرق والغرب، فقد أسهم هذا الموقع في تكوين شخصية منفتحة قادرة على استقبال الثقافات المختلفة والتفاعل معها، دون أن تفقد خصوصيتها أو تماسكها الداخلي. ومن هنا، غدت الإمارات فضاء رحباً يستوعب التنوع، ويعيد صياغته في نسيج اجتماعي متجانس.
وفي هذا السياق، تبرز دولة الإمارات نموذجاً واضحاً في احترام التعددية الدينية وصون حرية المعتقد، بما يعكس بيئةً حاضنةً للتنوع الديني وممارسة الشعائر في إطار من الاحترام المتبادل. ويأتي «بيت العائلة الإبراهيمية» في أبوظبي بوصفه أحد أبرز الرموز المعاصرة لهذه الرؤية، إذ يجمع مسجداً وكنيسةً وكنيساً في مجمع واحد، في تجسيد عملي لرسالة الحوار والتفاهم بين الأديان.
ولم تكتفِ الدولة بترسيخ قيم التعايش مجتمعياً، بل دعّمتها كذلك بإطار تشريعي يجرّم الكراهية والتمييز. ففي عام 2015 أصدرت الإمارات قانون مكافحة التمييز والكراهية، الذي يجرّم التحريض الطائفي والعنصري، وإهانة الأديان ودور العبادة. وفي عام 2023، صدر مرسوم اتحادي جديد عزّز هذا المسار القانوني، من خلال تجريم خطاب الكراهية والتطرف، والتأكيد على حماية التعددية الدينية والثقافية في المجتمع.
وانطلاقاً من هذا الفهم، ترفض الإمارات جميع أشكال التطرف والإرهاب، وتتصدى لكل الجماعات والمشاريع التي تتستر بالدين أو الطائفية أو الأيديولوجيا من أجل تفكيك الأوطان وتمزيق نسيجها الاجتماعي، ويطرح النموذج الإماراتي التعايش بوصفه نقيضاً للتطرف، وخياراً أصيلاً لحماية الاستقرار وصيانة السلم الأهلي.
وفي ترجمة مؤسسية لهذا التوجه، أنشأت الإمارات عام 2016 وزارةً للتسامح والتعايش، في خطوة غير مسبوقة عالمياً، بهدف ترسيخ قيم قبول الآخر وتعزيز ثقافة الحوار بين الثقافات المختلفة. وفي العام نفسه أطلقت الحكومة البرنامج الوطني للتسامح، سعياً إلى نشر ثقافة الاعتدال والوسطية، وتعزيز التماسك المجتمعي.
وتحتضن الإمارات عدداً من المؤسسات والمبادرات التي يتجاوز أثرها حدود الدولة إلى المجالين الإقليمي والدولي. ففي أبوظبي تأسس عام 2014 «مجلس حكماء المسلمين» بهدف نشر ثقافة السلام وتعزيز الحكمة في مواجهة خطابات التطرف، وفي دبي تأسّس «المعهد الدولي للتسامح» عام 2017 ليكون منصةً عالميةً لنشر ثقافة التسامح والتعايش بين الشعوب.
وتوّجت هذه الجهود بمبادرة ذات صدى عالمي، وهي «وثيقة الأخوة الإنسانية» التي وُقّعت في أبوظبي عام 2019. وفي الإطار نفسه، تأتي «جائزة زايد للأخوة الإنسانية»، بما يعكس دور الإمارات في تحويل المبادئ الإنسانية إلى مبادرات مؤثرة على المستوى الدولي.
رسّخت دولة الإمارات مكانتها كعاصمة عالمية للتسامح والتعايش، مقدّمة نموذجاً فريداً لبناء مجتمع متعدد. وهذا الإنجاز يعكس رؤية استراتيجية ترتكز على الاحترام المتبادل والشراكة المجتمعية، مؤكداً أن الانفتاح والتنوع ليسا تهديداً للوحدة، بل مصدر قوة واستدامة للتقدم والازدهار.
إقرأ المزيد


