ترسيم الحدود البحرية..والموقف الأميركي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

للمرة الثانية، يعلن وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين أن حكومة بلاده تدرس إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة مع لبنان في 27 أكتوبر 2022، لتسوية نزاع حدودي بحري في منطقة غنية بالغاز في البحر المتوسط، وكانت المرة الأولى سبق أن أعلنها الوزير الإسرائيلي، في العام 2024 بعد دخول «حزب الله» في حرب «المساندة» دفاعاً عن غزة. أما الأسباب فقد أوَضحها كوهين بقوله: «بموجب الاتفاقية، حصل لبنان على كامل المنطقة المتنازع عليها مقابل تعهد غامض بتحسين أمن إسرائيل، وهو تعهد لم يتم الالتزام به على الإطلاق». ووصف الاتفاقية بأنها «وثيقة استسلام». وهذا يعني أن إسرائيل ما عادت تنظر إلى الاتفاق ك«وثيقة حدودية»، منفصلة عن موازين القوة، بل ك«ترتيب» يمكن إعادة النظر فيه، إذا رأت أن نتائجه لم تعد تخدم مصالحها الأمنية والسياسية.
بينما الأمر في الواقع، يشير إلى أن النص ليس اتفاقاً أمنياً كما تدعي إسرائيل، فجوهره يدور حول أربعة عناصر، وهي: تثبيت خط الترسيم البحري، الإبقاء على الوضع القائم قرب الشاطئ من دون المساس بالنزاع البري، تنظيم استكشاف واستغلال المكمن العابر للخط في البلوك 9، وأخيراً إحالة أي خلافات في التفسير والتنفيذ، إلى مناقشات تسهلها الولايات المتحدة الأميركية.
وفي هذا السياق، ظهر بشكل واضح أن الاتفاق يخلو من أي تعهد أمني مباشر بحماية إسرائيل كما تدعي، لذلك فحين يتحدث كوهين عن أن إسرائيل أخذت «تعهداً أمنياً غامضاً»، لم يلتزم به لبنان، فهو يكون كمن يتكلم بلغة سياسية أكثر منها قانونية، لأن هذا التعهد المزعوم لا يظهر كبند محدد وواضح في نص الاتفاق، الذي قام على فصل المسار البحري عن الصراع الأشمل، بينما الحرب الحالية تبدو أنها تعيد وصل كل المسارات ببعضها.
أما بالنسبة لإلغاء الاتفاق أو تعديله، فهو يتطلب موافقة الطرفين، إضافة إلى موافقة حكومة واشنطن التي قامت بدور«الرعاية» وهي تقوم حالياً بدور«الوصاية» على الخطوات التنفيذية، وفقاً للبنود الواردة فيه، ولعل أهمها أن «تكون الولايات المتحدة المرجع في تسيير المناقشات بينهما لحل أي خلافات بشأن تفسيره».
وعلى الرغم من خيبات الأمل في تجربتين سابقتين، الأولى بحفر بئر في البلوك رقم 4 في منطقة البترون شمالي لبنان، والثانية بحفر بئر في البلوك رقم 9 في الجنوب، وقعت الحكومة اتفاقية مع التحالف الثلاثي بقيادة شركة توتال لاستكشاف الغاز في البلوك رقم 8 في الجنوب، ولكن هذه المرة الآمال محفوفة بالمخاطر مع استمرار التوترات «الجيوسياسية»، والاضطرابات الأمنية واحتلال إسرائيل لأراضٍ واسعة، ما يجعل البيئة الاستثمارية ذات مخاطر عالية. 
وبموجب الاتفاقية، سيقوم التحالف بإجراء مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد للمنطقة، وهو يتيح تحسين المعرفة الجيولوجية والتقنية وتقييم الفرص المتاحة، وهذا المسار الذي يسبق اتخاذ قرار الحفر أو عدمه يفترض به أن يستغرق ثلاث سنوات كحدّ أقصى، لكن الأثر المباشر الذي يتضمن إنتاج الغاز، سيستغرق من 5 إلى 7 سنوات.
ولوحظ في المقابل، أن إسرائيل بدأت الاستفادة من إنتاج غاز«كاريش» بعد فترة قصيرة من توقيع الاتفاق مع لبنان، ويبلغ إنتاجه نحو 150ألف برميل من المكافيء النفطي يومياً. ولكن الإنتاج متوقف حالياً بسبب الحرب على إيران، ولتجنب الأضرار التي قد تتعرض لها المنشآت في السفينة «إنرجين باور»، التي تعد الشريان الرئيسي لعمليات استخراج ومعالجة الغاز في هذا الحقل.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية. 



إقرأ المزيد