الخليج العربي والمنظور الوطني
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في أواخر تسعينيات القرن الماضي، قام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بتنظيم مؤتمر «أمن الخليج من منظور وطني» في نسختين، الأولى في العاصمة أبوظبي، والثانية في العاصمة البريطانية لندن. وخلال الحدثين تمت مناقشة أمن الخليج العربي بصورة عامة وأمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بصورة خاصة، حيث تطرقت الجلساتُ إلى العديد من القضايا الاستراتيجية، كان من أبرزها أوضاع الطاقة، وتوابع إغلاق مضيق هرمز - لو حدث - على أمن الدول المحيطة به، والعلاقات الخليجية الإيرانية، والعديد من القضايا الأخرى. 
وكأني أشهد ما تم تداوله خلال نسختَي المؤتمر، وقد حضرتهما شخصياً، ماثلاً أمام عيني خلال الأسابيع المنصرمة. فقد تركزت معظم المناقشات حول أمن منطقة الخليج العربي، وما قد يحدث في حال توترت الأوضاع في المنطقة، ومعها العلاقات بين إيران ودول الخليج العربية، ثم تطورت الأمور إلى مستويات عسكرية، وتأثير ذلك كله على أمن الطاقة العالمي.. وقد حدث بالفعل كلُّ هذا مؤخراً. 
 وهنا تبادر إلى ذهني التساؤلُ الأبرز الذي ركز عليه المشاركون في نسختَي المؤتمر: لماذا لا تضطلع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالدور الأكبر في أمن منطقة الخليج العربي؟ وقد جاء هذا التساؤل في وقت أثبتت فيه مخرجات النسختين مدى قدرة دول مجلس التعاون على القيام بهذا الدور الاستراتيجي الحيوي، والحديث كان عن هذه الدول مجتمعةً. فدول مجلس التعاون الست تمتلك القدرات الاقتصادية والعسكرية والبشرية والسياسية التي لو توحدت واجتمعت لكان لها اليد الطولى في أمن المنطقة. وقد أجمع الحضورُ وقتَها على تلك الحقيقة المتعلقة بأوضاع هذه الدول وقدراتها في نهاية التسعينيات، ومِن الجلي حالياً أن أوضاع دول الخليج العرية قد تطورت وقدراتها تنامت، كما تعاظم دورها الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي كثيراً بالمقارنة مع ما كان عليه وقت انعقاد المؤتمر في نسختيه المتتاليتين. وقد بلغ تعداد السكان في دول مجلس التعاون الخليجي، في نهاية عام 2024، ما يقارب 61.5 مليون نسمة. ووفقاً لإحصاءات بداية العام الحالي، فإن هذه الدول من أقوى ركائز الطاقة على مستوى العالَم، وذلك بامتلاكها ما يزيد على 30% من الاحتياطي العالمي للنفط، وما بين 21 و26% من الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي. كما أن لدول مجلس التعاون الخليجي مجتمعةً قوة سياسية وحضور دبلوماسي مؤثرين على الساحة الدولية. والعالَم يشهد على قوة الحضور الدبلوماسي لدول المجلس من خلال دورها في الكثير من ملفات التسوية وجهود إنهاء الأزمات. كما تمتلك هذه الدول سجلاً من العلاقات السلمية مع بلدان العالم كافة، الأمر الذي وضعها، وما زال يضعها، في مرتبة متقدمة ومفضَّلة في مجال المفاوضات السياسية في العديد من القضايا الدولية الشائكة والحساسة.
 وقد تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية في عام 1981 في ظل أوضاع إقليمية ملتهبة جراء الحرب العراقية الإيرانية؛ وذلك بهدف تحقيق التناسق والتكامل والترابط بين دوله في جميع الميادين، وصولاً إلى تحقيق وحدتها في عدة مجالات حيوية. 
 وكلي يقين أنه بعد انقضاء ما يزيد على أربعة عقود من الزمن على قيام مجلس التعاون الخليجي، فإنه قد آن الأوان لينتقل المجلس نحو مرحلة جديدة تتحمل فيها دولُه مسؤوليةً واحدةً وأمانةً مشتركةً تجاه أهداف المجلس، وأمام العالَم، ويكون أمنها الوطني أولوية مشتركة من منظور وطني.


*باحث إماراتي



إقرأ المزيد