جريدة الإتحاد - 4/8/2026 12:10:00 AM - GMT (+4 )
في زاويةٍ شخصيةٍ من الذاكرة، أعود بالزمن إلى سنوات الدراسة خارج الوطن، حين كنا مجموعةً من الطلبة المبتعثين نذهب للإفطار في جامعٍ قريب، نجتمع فيه مع طلابٍ من دولٍ مختلفة، حول مائدةٍ بسيطة، رغم قدرتنا على الإفطار في أي مكانٍ آخر. لم يكن الدافع الحاجة، بل بحثاً عن ذلك الشعور العميق بالروحانية والانتماء، وجمالِ الاجتماع على سفرةٍ واحدة.
هناك، كان شيءٌ ما يعوضنا البعد عن الأهل والأحباب، ويُستعاد معنى رمضان الحقيقي. ومن هذه الذاكرة تحديداً، يمكن فهم البعد الاجتماعي العميق لمبادرات الإفطار في دولة الإمارات، فهي لا تُقدم الطعام فحسب، بل تصنع مساحةً للسعادة والفرح، وتعكس عزيمة وطن.
جاء رمضان هذا العام مختلفاً، لا لأنه أتى مُحملاً بالبركات فحسب، بل لأنه حمل معه رسائلَ طمأنينةٍ عميقةً، أكدت أن هذا الوطن، مهما اشتدت عليه الظروف، يظل أرضَ الأمان. ففي وقتٍ تمر فيه المنطقةُ بتحدياتٍ استثنائيةٍ، بقيت الإمارات ثابتةَ الخطى، هادئةَ الروح، تمضي بثقة.
ومن قلب هذا الثبات، تجلى مشروعُ رمضان في جامع الشيخ زايد الكبير، لا كمبادرةٍ موسميةٍ، بل رسالةً حيةً تقول إن الخير لا يتوقف، وإن العطاء لا يعرف التراجع، حين يكون الإنسان أولًا في أوقات الرخاء والشدة.
هناك، حيث امتدت موائدُ الإفطار لتحتضن أكثر من 980 ألفاً من الصائمين من مختلف الجنسيات والأعراق، في أعلى رقمٍ يُسجَّل في تاريخ الجامع منذ انطلاق مشروع «ضيوفنا الصائمون»، أدرك الجميع أن الأمن في دولة الإمارات ليس إجراءً عابراً، بل إحساسٌ راسخ، وأن الاستقرار ليس حالةً مؤقتة، بل خيارُ دولةٍ ونهجُ مجتمع.
ولم يكن استمرار هذا المشروع، بهذا الاتساع والحضور، رغم الظروف الطارئة التي ألمّت بالمنطقة، سوى انعكاسٍ لروحِ دولةٍ آمنت بأن الطمأنينةَ مسؤولية، وبأن العطاءَ موقف، وبأن الأوطانَ القوية هي تلك التي تحمي إنسانها، وتمضي بثقة، حتى في أصعب اللحظات.
وفي مشهدٍ إنساني يجسد تلاحم القيادة والشعب، شهد جامع الشيخ زايد الكبير حضور سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، وهو يشارك جموعَ الصائمين مائدة الإفطار.
كانت لحظةً بسيطةً في ظاهرها، عظيمةً في دلالاتها، تؤكد أن القيادة قريبةٌ من الناس، حاضرةٌ بينهم، دون حواجز أو مسافات، تشاركهم تفاصيل حياتهم، وتؤكد لهم بأن الإنسان في الإمارات سيبقى على قمة هرم الأولويات، في الشدة كما في الرخاء.
لقد أثبت مشروعُ رمضان أن الإمارات كانت، ومازالت، وستبقى، واحةً للأمن والأمان، ودُرةً متألقة، وحاضرةً للسكينة والجمال. ولم يكن ذلك وصفاً إنشائياً وشعاراً عابراً، بل حقيقةً تجلّت في سلوك الناس واختياراتهم. فآلافُ العائلات، من مختلف الجنسيات والخلفيات، لم ترَ في الظروف الطارئة سبباً للمغادرة، بل وجدت في هذا الوطن ما يكفي من الطمأنينة لتبقى، وتواصل حياتها بصورةٍ طبيعية، تمارس أعمالها، وتدير تفاصيلَ يومها بثقةٍ وهدوء، باعتبارها جزءاً من مجتمعٍ يضم مواطنين ومقيمين على حدٍ سواء، تجمعهم قيم العيش المشترك والمسؤولية المتبادلة.
ولا يمكن قراءة هذا المشهد دون العودة إلى الجذور التي انطلق منها، من رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي وضع الأساس بقوله الخالد: «الرزق رزق الله، والمال مال الله، والفضل فضل الله، والخلق خلق الله، والأرض أرض الله، واللي يجينا حياه الله». كلماتٌ لم تكن شعاراً، بل منهج حياةٍ سار على خطاه وطنٌ بأكمله، وقولٌ شكّل نهجاً متجذراً في سياسات الدولة وممارساتها اليومية، لذلك لم يكن مستغرباً أن يصبح العطاء في دولة الإمارات سمةً أصيلة، وأن يشعر جميع من يعيش على هذه الأرض الطيبة، -مواطناً كان أم مقيماً- أنهم أسرة واحدة، وأن كل منهم جزءٌ من نسيجٍ واحدٍ متماسك، له ما له من حقوق، وعليه ما عليه من واجبات.
وأنا أُصلي صلاةَ القيام، ليلة السابع والعشرين من رمضان، وفي صحن الجامع تحديداً، كنا في صفٍ واحدٍ، مصلين جاؤوا من آسيا وأفريقيا وأوروبا، ومن شتى بقاعِ الأرض. ملامحُ مختلفة، وألسنةٌ متعدّدة، ومشاربُ وثقافاتٌ متنوعة، جمعتها لحظةُ خشوعٍ واحدة. اصطففنا في صفٍ واحد، تختلف أوطانُنا وتتقارب قلوبُنا، جمعتنا دولة الإمارات على دعاءٍ واحد، كما جمعتنا على معنى واحد.
وحين ارتفع صوتُ الإمام بالدعاء: «اللهم احفظ الإمارات وقيادتَها وشعبَها، وارحم باني نهضتها»، ارتفعت معه أصواتُنا جميعاً بـ«آمين» واحدة، صادقة، نابعة من القلب، دعاءٌ تجاوز الكلمات، ليغدو تعبيراً جماعياً عن محبةٍ وإخلاصٍ لوطنٍ وحدَنا على نهجٍ واحد، ومنح كلَّ من أقام على أرضه الأمنَ والكرامةَ والسكينة.
وبينما يغادر الناس ساحاتِ الجامع، تتكرر مشاهدُ مؤثرةٌ لا تخطئها العين، مصلون يتجهون إلى ضريحِ الشيخ زايد، وألسنةٌ تلهج بالدعاء، وقلوبٌ تفيض امتناناً للوالد المؤسس، الذي غاب جسده، لكنه باقٍ حضوراً في كل يدٍ تمتد بالعطاء، وفي كل ابتسامةٍ يُستقبل بها ضيف، وفي كل صفٍ يُقام للصلاة، وفي كل معنى إنساني يتجدد على هذه الأرض الطيبة.
وأعادني المشهد في الزمان إلى ما حدث خلال زيارة الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، بان كي مون. فبينما كنّا نسير في رحاب الجامع، نتحدث عن رسالته الداعية إلى التسامح والسلام، توقف الضيف فجأة، وقد استرعى انتباهه طائرٌ اتخذ إحدى قباب الممرات الخارجية سكناً له، مُبدياً إعجابه بذلك، فجاءه الجواب بسيطاً، لكنه يختزل فلسفة وطنٍ بأكمله: «إنها الإمارات.. حيث يعيش الجميع بسلام».
وهكذا، يتجاوز جامع الشيخ زايد الكبير كونه مَعلماً معمارياً أو مكاناً للعبادة، ليغدو رمزاً حياً لمعنى الإمارات، وطنٌ اختار أن يكون مساحةً مفتوحةً للالتقاء، وبيتاً تتسع جدرانُه للسلام والطمأنينة، ونموذجاً يُحول القيم من أفكارٍ مجردة إلى واقعٍ يُرى ويُعاش. وفي عالمٍ تتكاثر فيه التحديات، وتتباعد فيه المسافات، تبقى هذه الصورة، ببساطتها وعمقها، دليلاً ساطعاً على أن الخير، حين يُغرس بصدق، يُنبت إنساناً، ويصنع وطناً.
د. يوسف عبدالله العبيدلي
باحث إماراتي
إقرأ المزيد


