جريدة الإتحاد - 4/21/2026 10:36:47 PM - GMT (+4 )
هتلر، حين ضمَّ النمسا وغزا فرنسا ثم بقية جيرانه، لم يكن يفعل ذلك مصادفةً، إذ سبقت تلك الحملاتِ العسكريةَ حملاتٌ فكريةٌ أحكمت سيطرتها على المجتمع النازي في ألمانيا، وتمثلت في وهم «نقاء العرق الآري» وضرورة سيادته على العالم أجمع. والمتتبع لتلك الحقبة يجد أن كتاب هتلر «كفاحي»، الذي عُدَّ يومئذٍ مرجعا فكرياً للنازية، سبق تلك التوسعات العسكرية، فضلاً عن البعثات التي أُلبست لبوساً «علمياً» تحت رعاية هاينريش هملر، ومنها البعثة الألمانية إلى التبت في عامَي 1938–1939، والتي ارتبطت، في سياقها النازي العام، بالبحث عما يزعمونه سنداً لنظرياتهم العرقية الإقصائية المتطرفة. ومؤدى تلك الأفكار، بطبيعة الحال، نبذُ كل أشكال التنوع العرقي والحضاري والديني في العالم.
ولذلك، فأنا هنا لأؤكد هذه السُنة التاريخية، المتمثلة في استحالة أن تُطلِق أي دولة صواريخها وعدوانها العسكري الإرهابي على دولة أخرى، إلا بعد أن تكون قد أطلقت فكرتها الأولى: فكرتها عن نفسها، وعن الآخر، وعن حدود ما تراه حقاً وواجباً في هذا العالم. فالصواريخ لا تولد في المستودعات وحدها، وإنما تسبقها ولادةُ رؤى وأفكارٍ تُعد البذرة الأولى لصنعها وتهيئتها، إذ تغدو تلك الأفكار هي المخيالَ السياسيَّ والدينيَّ الذي يسود مؤسسات الدولة السياسية والتعليمية والاقتصادية، ولذلك لا يمكن فهم سلوك الدول بمعزل عن تلك الأفكار التي تمثّل القلب النابض لتلك الكيانات الإرهابية البائسة.
الأفكار، حين تتشدد، ولا سيما الدينية منها، لا تبقى حبيسة الكتب، ولا المنابر، ولا الدروس التعليمية. تبدأ كفكرة مغلقة في تفسير العالم، تستغل النصوص الدينية والعاطفة الجياشة لدى الشعوب تجاه الدين، ثم تتحوّل إلى معيار صارم يُقسِّم الناس إلى أهل حق وأهل ضلال. وبعد ذلك يُروَّج لهذا المعيار رفعاً لحساسية الاختلاف بين المجتمعات والشعوب، حتى يغدو سياسةً عامةً تسود الدولة، ثم تبحث هذه الرؤية عن أذرع في مؤسسات الدولة وأجهزتها السيادية، لتحوّل الأفكار المتطرفة المعنوية إلى أدوات وأسلحة مادية يُهاجَم بها المخالف. وعند هذه النقطة، لا يمكن لنا أن نفهم ذلك العدوان على أنه منفصل عن الأفكار المؤسسة لهذا الإرهاب، بل يغدو نتيجةً طبيعيةً لبنية فكرية سَبقت فأعادت تعريف الإنسان، والحدود السيادية، والشرعية، على طريقتها الخاصة.
وهنا يجب التفريق بوضوح بين الدين بوصفه هدىً ورحمةً، وبين توظيفه بوصفه أداة تعبئة وهيمنة. فالمشكلة لا تنشأ من الدين وجوهره الإيماني، إذ الدين في أصله يهدي للتي هي أقوم، ويدعو إلى التعارف والتكامل بين المجتمعات في سبيل إعمار الأرض بالصالحات. وإنما تنشأ المشكلة حين يُنتزع الدين من مقاصده، ويُفسَّر وفق أهواء وأيديولوجيات تجعل منه مطيةً لبلوغ مآرب بعيدة عن جوهره ورسالته الأخلاقية.
ولعل النموذج الإيراني بعد ثورة الخميني عام 1979 يمثل نموذجاً شديد الدلالة على هذه المعضلة، إذ أسهم نجاح ثورة الخميني في تحويل نظام الحكم من ملكية إلى دولة دينية تستند في شرعيتها إلى تصوّرٍ يمنحُ المرشدَ الأعلى موقعاً متعالياً، بوصفه امتداداً لسلطةٍ دينيةٍ مقدَّسةٍ تتصل، في الوعي العقدي الذي تتبنّاه بسلسلةٍ تنتهي إلى الولي الفقيه في صيغته السياسية المعاصرة. وبهذا التصور تحوّلت السلطةُ إلى كيانٍ يقدّم نفسَه ممثلاً مباشراً للأحكام الإلهية في المجال العام. وتقوم بنية هذه الدولة على مبدأ «ولاية الفقيه»، بما منح المؤسسة الدينية موقعاً حاكماً في توجيه الدولة والمجتمع، كما جرى الترويج لمفاهيم من قبيل «تصدير الثورة» و«الحاكمية» واحتكار الحقيقة، مع استثمار الجهل المستشري في المجتمع، لتحويل تلك المبادئ إلى عقيدة دولةٍ بمؤسساتها ومجتمعها. وعندئذٍ يغدو الآخر موضع ريبة وشك، لا شريكاً محتملاً في الجغرافيا والمصالح والدين، ويغدو التهديد ومحاولة اختراق المجتمعات المجاورة لغةً وأداةً في التعامل مع الآخرين، بغية تصدير تلك الثورة إلى بقية المجتمعات، تمهيداً للهيمنة السياسية عليها.
وعليه، يجب علينا أن نغيّر سؤال تقييم الدول من: أيُّ الدول تمتلك القوة العسكرية الأكبر، وأيُّها الأقدر اقتصاديّاً؟ إلى سؤال آخر: مَن يملك الفكرة والرؤية التي تجعل من القوة حمايةً، ومن الدولة أداةَ بناءٍ لا منصةً للاختراق؟ فتسعى إلى تطوير ذاتها بما يخدم مجتمعها والبشرية، مع احترام كامل لسيادة الدول الأخرى ومجتمعاتها، فتكون بانيةً للخير، هادمةً للشر، مهتمةً برفاهية مواطنيها والمقيمين على أرضها. كما هو الحال مع دولة الإمارات، التي آمنت بفهم الدين بما يتوافق مع مقاصده العليا، فأصبحت حاميةً لجوهره، حاضنةً لمختلف أطياف المجتمعات بأديانها وأعراقها وأجناسها، ساعيةً إلى رفاهية مجتمعها، محققةً أمنهم وأمانهم، وباسطةً يد الخير إلى جيرانها ودول العالم.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


