أمن الخليج.. وترتيبات ما بعد الحرب
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

أكد معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، أنه لا يمكن العودة إلى وتيرة العلاقات السابقة مع إيران دون مراجعة صريحة، ومصارحة شفّافة، وضمانات واضحة تضمن عدم تكرار التوترات السابقة. وشدّد على أن تداعيات السلوك الإيراني في المنطقة ستبقى محور اهتمام دول الخليج، في ظل الحاجة إلى بناء مقاربة جديدة أكثر توازناً واستدامة. تاريخياً، ارتكزت منظومة أمن الخليج على المظلة الأمنية الغربية، وبالأخص الدور الأميركي في حماية استقرار المنطقة. غير أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة، واحتمالية اندلاع حرب واسعة مع إيران، ربما بدأت تكشف حدود هذا الاعتماد، وتدفع دول مجلس التعاون نحو إعادة تقييم خياراتها الاستراتيجية.
والمشهد القادم يتطلب من المنطقة أن تتبنّى نموذجاً أمنياً أكثر استدامة، يقوم على تنويع الشراكات الدفاعية، وعدم الارتهان لطرف واحد، إلى جانب تعزيز القدرات الذاتية، وتطوير الصناعات الدفاعية، وبناء منظومات ردع جماعية قادرة على التعامل مع التهديدات التقليدية وغير التقليدية.
 وفي هذا السياق، تُمثِّل مرحلة ما بعد الحرب لحظةً مفصليةً لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فإذا خرجت إيران من المواجهة وهي مثقلة بالتحديات الاقتصادية والعسكرية، فإن ذلك سيفتح نافذةً استراتيجية أمام دول الخليج العربية لفرض شروط جديدة تُعيد ضبط السلوك الإقليمي الإيراني. ومن أبرز هذه الشروط، إبرام اتفاقيات ملزمة تمنع إيران من التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، ووقف دعم الجماعات المرتبطة بها في المنطقة، إضافة إلى إعادة هيكلة الترتيبات الأمنية البحرية في الخليج، بما يضمن حرية الملاحة وأمن إمدادات الطاقة، وهما عنصران حيويان للاقتصاد العالمي.
كما سيُشكّل تفعيل قنوات دبلوماسية مشروطة ركيزةً أساسيةً في المرحلة المقبلة، بحيث يرتبط أي انفتاح أو تطبيع كامل مع إيران بمدى التزامها بقواعد حُسن الجوار، واحترام سيادة الدول، والامتناع عن السياسات التصعيدية. فالعلاقات المستقبلية لا يمكن بناؤها على افتراضات حسن النية فقط، بل أيضاً على آليّات واضحة للمساءلة والالتزام.
غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرهوناً بوحدة الموقف الخليجي، إذ لن تتمكن أي دولة منفردة من فرض شروطها أو حماية مصالحها في بيئة إقليمية معقّدة ومليئة بالتحديات. لذا، يصبح توحيد الرؤية السياسية والأمنية داخل مجلس التعاون الخليجي ضرورةً قصوى، تشمل تطوير عقيدة دفاعية مشتركة، وتنسيق السياسات الخارجية تجاه إيران، وبناء منظومات إنذار مبكّر ودفاع جوي وصاروخي موحّدة، قادرة على التصدي لمختلف التهديدات.
كما ينبغي لدول المجلس العمل على بلورة أولوياتها الأمنية بوضوح ضمن أي مفاوضات مقبلة، بحيث تشمل هذه الأولويات برنامج إيران النووي، وبرنامجيها للصواريخ الباليستية وللطائرات المسيّرة، إضافة إلى دور وكلائها الإقليميين في دول مثل العراق واليمن ولبنان. فهذه الملفات تُمثِّل جوهر التهديدات التي تواجه أمن الخليج، ولا يمكن تجاهلها في أي تسوية مستقبلية.
 ورغم التوترات الراهنة، تبقى إيران جاراً جغرافياً لا يمكن تجاهله أو عزله بالكامل، وهو ما يفرض تبنِّي مقاربة «الاحتواء الذكي» في إدارة العلاقة معها. فالتصعيد المستمر لا يخدم استقرار المنطقة، كما أن الانفتاح غير المشروط قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التهديدات ذاتها. ومن هنا، تبرز أهمية تحقيق توازن دقيق بين الردع والانخراط، بما يضمن حماية المصالح الخليجية دون الانزلاق إلى صراعات مفتوحة.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو منطقة الخليج أمام مرحلة مفصلية تتطلب إعادة تعريف مفاهيم الأمن والاستقرار. فالتغيرات الدولية، وتداخل المصالح بين القوى الكبرى، جعل من الصعب الاعتماد على أنماط تقليدية في إدارة الأمن الإقليمي. وبالتالي، فإن بناء نظام أمني خليجي جديد لم يَعُد خياراً، بل بات ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة.
ورغم ما تحمله سيناريوهات الحرب من مخاطر جسيمة، فإنها قد تُشكِّل في الوقت ذاته فرصة تاريخية لدول مجلس التعاون لإعادة صياغة أمن الخليج على أسس أكثر توازناً واستقلالية. أي لبناء نظام إقليمي يُحترم فيه مبدأ السيادة، وتُصان المصالح المشتركة، وتُدار العلاقات الإقليمية وفق قواعد واضحة من الالتزام والمسؤولية. وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحول إيران، إذا التزمت بهذه القواعد، إلى شريك إقليمي يساهم في تعزيز أمن الخليج.

*سفير سابق

 



إقرأ المزيد