الإمارات ودعم منظومة العمل الإنساني العالمي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في خطوةٍ تجسّد تحوّلها من مساهم إنساني رائد إلى فاعلٍ استراتيجي في صياغة السياسات الدولية، انتُخبت دولة الإمارات العربية المتحدة لعضوية المجلس التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي للفترة 2026–2028، وهو ما يجسّد ثقل الإمارات المتصاعد داخل المنظومة الأممية، لاسيما في وقت يواجه فيه العالم تحديات متنامية في مجال الأمن الغذائي واختلالاً في سلاسل الإمداد بفعل تصاعد المخاطر الجيوسياسية الراهنة، التي تستدعي إعادة تقييم شاملة لآليات الاستجابة العالمية.
وفي الواقع، فإن هذا الانتخاب يؤشر إلى إعادة تموضع استراتيجي لدور الإمارات، إذ لم يَعُد حضورها مقتصراً على الدعم المالي أو اللوجستي التقليدي، بل بات يمتد للمشاركة الأصيلة في تحديد أولويات الاستجابة الدولية ورسم مساراتها، في ظل اتساع فجوات الأمن الغذائي والضغوط المتزايدة على الدول الهشّة والمتأثرة بالنزاعات، وما يرافق ذلك من تعقيدات ترتبط بكفاءة تخصيص الموارد واستدامة التدخلات الإنسانية في المناطق الأكثر عرضة للأزمات المناخية والسياسية.
ويكتسب هذا الدور بُعداً استراتيجياً إضافياً بالنظر إلى البنية التحتية اللوجستية المتطورة للإمارات، والتي جعلت منها نقطة ارتكاز محورية في تدفق الإمدادات الإنسانية عالمياً. وفي الوقت الذي تتعرض فيه الممرات الملاحية والطرق التجارية لضغوط غير مسبوقة، يبرز مركز «المدينة العالمية للخدمات الإنسانية» في دبي كمنصة حيوية لإعادة توجيه المساعدات وتجاوز الاختناقات الطارئة في سلاسل الإمداد، مما يعزّز المرونة العملياتية في البيئات عالية المخاطر ويضمن تدفق المعونات دون انقطاع.
كما يعكس نهج دولة الإمارات في ابتكار ممرات بديلة خلال الأزمات الكبرى، توجّهاً يرتكز على تعزيز صلابة النظام الإنساني العالمي وتقليل ارتهانه للمسارات التقليدية. ويؤكد هذا النهج أن الفاعلية الإنسانية المعاصرة باتت تُقاس بقدرة الدول على ضمان تدفق المساعدات في البيئات الأكثر تعقيداً، مما يضع «الجاهزية الاستباقية» في قلب العمل الإنساني الحديث، كأداة لضمان نفاذ المساعدات الإنسانية وتخطي القيود المكانية والسياسية المفروضة في مناطق النزاع.
وفي هذا السياق، يجسّد استمرار عمل مستودع الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية في دبي حالة من التكامل بين الإمكانات الوطنية والمستهدفات الأممية، إذ يتيح الوصولَ السريعَ إلى مناطق النزاع والاحتياج في آسيا وأفريقيا رغم الاضطرابات العالمية، ما يكرّس مكانة الإمارات كحلقة وصل استراتيجية ومركزاً موثوقاً لإعادة التوزيع في حالات الطوارئ المعقدة والممتدة، الأمر الذي يعزّز الأمن الإنساني في الأقاليم المتضررة بشراكة دولية فعالة.
 ويتزامن هذا التطور مع تحذيرات أممية متكرّرة من تفاقم انعدام الأمن الغذائي واتساع رقعة الجوع الحاد عالمياً، ما يفرض ضغوطاً مضاعفة على المنظومة الدولية لإعادة صياغة أدوات الاستجابة وتوسيع أطر الشراكات الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية دور دولة الإمارات كعنصر توازن محوري يجمع بين الاستجابة الإغاثية العاجلة وبناء القدرات المؤسسية طويلة الأمد للدول المتضررة، عبر تكريس مقاربة الربط بين الإغاثة والتنمية لتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود.
ومن منظور جيوسياسي أوسع، يعكس انضمام دولة الإمارات إلى المجلس التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي للفترة 2026–2028 انتقالاً نوعياً من حيز التنفيذ العملياتي إلى فضاء التأثير المؤسسي في المنظومة الإنسانية. وتتيح هذه العضوية للدولة المساهمة الفاعلة في توجيه النقاشات العالمية المتعلقة بكفاءة تخصيص الموارد، وتحفيز الابتكار في سلاسل التوريد، وربط العمل الإغاثي بمفاهيم الأمن الغذائي المستدام، بما ينسجم مع التحولات البنيوية التي يشهدها النظام الدولي الراهن.
 ويأتي هذا التحول متسقاً مع عقيدة استراتيجية أوسع تتبنّاها الإمارات لتعزيز حضورها في المؤسسات متعددة الأطراف، حيث تسعى لدمج قوتها اللوجستية بدبلوماسيتها الإنسانية الفاعلة. ويتجاوز هذا التوجه مجردَ تقديم المساعدات ليشمل المساهمة في صياغة السياسات الدولية، وضمان تمثيل القضايا الحيوية مثل التنمية المستدامة والمساواة في أجندات العمل الإنساني العالمي.
إن عضوية دولة الإمارات في المجلس التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي للفترة 2026–2028 تُمثّل علامة فارقة في إعادة تموضعها داخل النظام الإنساني العالمي، إذ تكرّس الإمارات من خلال هذه العضوية مكانتها كدولة صانعة للقرار لا تكتفي بالاستجابة للأزمات، بل تُسهم في رسم مسارات استقرارها المستدام، وهو ما يعزّز جهود تحويل العمل الإنساني من مجرد استجابات ظرفية إلى منظومة مستدامة لإدارة الأزمات العالمية العابرة للحدود.

 



إقرأ المزيد