جريدة الإتحاد - 4/24/2026 9:59:44 PM - GMT (+4 )
ستدرك الطبقة السياسية والعسكرية في طهران، ولو بعد حين، أنها لم ترتكب مجرد أخطاء تكتيكية، بل ثلاثة رهانات ومُحرمات استراتيجية كبرى ستبقى آثارها شاهدة على عجز الأيديولوجيا حين تحاول أن تفرض نفسها على الجغرافيا التي لا ترحم. وهذه الرهانات ليست منفصلة، بل تأتي من أصلٍ واحد، هو الوهمُ بأن السياسة يمكن أن تُدار بعقلية الشعارات، وأن التاريخ يمكن تجاوزه بالاندفاع والمغامرة.
الرهان الأول يتمثل في استهداف إيران لجيرانها الخليجيين الذين لم يكونوا يوماً طرفاً في صراعاتها، بل كانوا قلقين من توجهات نظام الخميني الراديكالية العابرة للحدود والجغرافيا. أخطأت إيران حين سقطت في فخ «الامتداد الإمبراطوري الزائف»، تماماً كما فعلت ألمانيا القيصرية في الحرب العالمية الأولى.
أما الرهان الثاني فهو تحويل مضيق هرمز- شريان التجارة العالمية - إلى ورقة ضغط سياسي وأداة عسكرية، في «سوء تقدير أخلاقي» وارتياب استراتيجي أدّى إلى إعادة نشر أسطول أميركي في الخليج، محولاً المضيق إلى ورقة ضغط ترتد عكسياً على طهران، حيث تفيد التقديرات الأولية بأن الحصار البحري الأميركي سيجعل إيران تخسر ما يعادل 13 مليار دولار شهرياً.
العبث بنقاط الاختناق المائية هو تحدٍ لمنطق التاريخ الذي أثبت أن القوى التي تحاول المساس بحرية الملاحة في الممرات الدولية تنتهي دوماً «بمنعها» هي نفسها من استخدام تلك الممرات. واليوم تكرر طهران خطأ إيطاليا الفاشية في عهد موسوليني، التي أرادت جعل البحر المتوسط «بحيرة إيطالية» (Mare Nostrum) وأداة للضغط على القوى الكبرى. بالطبع لم يقبل العالم «خصخصة» الممرات الدولية، فتعرضت إيطاليا لحصار خنق طموحاتها، وجعل جيشها معزولاً خلف البحار.
يبقى الرهان الثالث، الأكثر فتكاً، وهو استعداء طهران لقوى تفوقها قدرةً وعدةً وكأن النظام الدولي لا يملك ذاكرةً ولا ردعاً ولا حساباتٍ مادية. هنا يمكن استحضار الحالة اليابانية في الحرب العالمية الثانية حين ظنت أن الجرأة العسكرية والروح التعبوية يمكن أن تعوّضا الفارق الساحق في الصناعة واللوجستيات والموارد. ويخطئ من يظن أن قدرة إيران على إزعاج الخصم تعني قدرتها على الحسم، لأن معادلة الحسم لها منظور مختلف وقياسات دقيقة تعتمد على التكنولوجيا وتفوق القدرات.
وفي العلاقات الأميركية-الإيرانية، تكمن المفارقة الكبرى في أن واشنطن لا تحتاج دائماً إلى إسقاط خصمها بضربة واحدة، بل تكفيها أحياناً إدارة الوقت، وتوسيع كلفة المغامرة، وتثبيت القناعة بأن مشروع الخصم يستهلك نفسه من الداخل.
والأدهى أن النظام الذي يعادي جواره، ويظن أنه يستطيع أن يستخدم الجغرافيا كورقة ضغط، ويحاول الدخول في صراعات مسلحة مع قوى تفوقه بعقود من العلم والتكنولوجيا والمقدرات المادية، إنما يكرر نفسه كنموذج لخطأ تاريخي: دولةٌ تعتمد على «خطاب مظلومية» أيديولوجي، ثم تتدرج إلى «فقه الممانعة»، لتنتهي إلى سلوك أشبه بالهروب إلى الهاوية.
وفي سياق حرب الأربعين يوماً، والتي لا يمكننا بعدُ أن نجزم أنها انتهت، تبرز هذه الرهانات والأخطاء الاستراتيجية الإيرانية كمحفز لإعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية بطريقة جذرية، خاصة أن هذه الحرب لم تكن مجرد تصعيد عسكري محدود، بل كشفت هشاشة «محور المقاومة» المزعوم حين وضع نفسه في مواجهة غير متكافئة.
فإيران، التي راهنت على صواريخها الباليستية ومسيَّراتها ووكلائها، وجدت نفسها أمام دفاعات جوية متكاملة وردود سيبرانية عطلت شبكاتها، ما أدى إلى خسائر اقتصادية فادحة تجمدت فيها احتياطيات بمليارات الدولارات. ويلي ذلك فقدان إيران لنفوذها في العراق واليمن ولبنان تدريجياً، مع صعود قوى محلية ترفض التبعية لطهران، لينتهي «محور المقاومة» إلى شبكة هشة تتفكك تحت ضغط الاقتصادات المنهارة والاحتجاجات الداخلية.
أما الخطوة التالية في هذا السيناريو، فهي إعادة تشكيل خريطة الطاقة الإقليمية، حيث يصبح مضيق هرمز نقطة ضعف مزمنة لا ورقة ضغط أو رافعة جيوسياسية، مع توسع الإمارات والسعودية في طرق التصدير البديلة عبر خطوط أنابيب إلى البحرين الأحمر والمتوسط، وخليج عُمان.
وفي النهاية، قد لا يسقط النظام الإيراني بضربة عسكرية، بل بانتشار تدريجي لوعي إقليمي يرى في الاستقرار الجماعي السبيل الوحيد للازدهار.سيعلم الإيرانيون يوماً أن عقوداً من الزمن أُهدرت في عبثٍ لا طائل منه، وأن معادلات القرن الحادي والعشرين لا تُدار بعقلية القرون البائدة. فالجوار لا يُستبدل، والممرات الدولية لا تُحتكر، والقوى الكبرى لا يمكن مجابهتها بالنداء العاطفي.
ختاماً، حرب إيران ليست مجرد أزمة سياسية، بل تجربة تعكس طبيعة الزمن نفسه، فالتاريخ لا يرحم من يظن أنه قادر على تجاوز نواميسه، والجغرافيا قواعد لعبة لا يمكننا أن نتجاهل فهمها.
*كاتب إماراتي.
إقرأ المزيد


