جريدة الإتحاد - 4/27/2026 11:46:46 PM - GMT (+4 )
إذا كنت تبحث عن صورتين تختصران إلى أين أوصلت الاستراتيجية الجيوسياسية لإسرائيل تحت قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فلن تجد أفضل من لقطتين نُشرتا خلال عطلة نهاية الأسبوع في الصحافة الإسرائيلية: الأولى صورة لجندي إسرائيلي يستخدم مطرقة ثقيلة لتحطيم تمثال للسيد المسيح في بلدة دبل، وهي قرية مسيحية مارونية بجنوب لبنان تبعد بضعة أميال شمال الحدود الإسرائيلية.
وكتب مراسل الشؤون الدبلوماسية في «تايمز أوف إسرائيل» لازار بيرمان، أن الصورة «جسّدت بشكل مثالي بعض أسوأ الصور النمطية عن إسرائيل واليهود، لدرجة أن كثيرين افترضوا تلقائياً أنها نتاج ذكاء اصطناعي صُمم لتشويه سمعة إسرائيل. أما أصدقاء إسرائيل فقد تمنّوا ألا تكون الصورة حقيقية، لما تحمله من ضرر بالغ. لكن تمنياتهم خابت. فقد قام جندي في جيش الدفاع الإسرائيلي بالفعل بضرب وجه تمثال يجسّد السيد المسيح بمطرقة. وأوضح بيرمان:«لم يكن هناك ذكاء اصطناعي، ولا تلاعب».
أما الصورة الثانية فنشرتها صحيفة «هآرتس» وتُظهر مجموعة من الوزراء الإسرائيليين اليمينيين وهم يبتسمون أثناء افتتاحهم مستوطنة أُعيد إقامتها حديثًا تُدعى «سانور» في شمال الضفة الغربية. وهي واحدة من أربع مستوطنات إسرائيلية معزولة أُقيمت في منطقة تخضع للسلطة المدنية والأمنية الفلسطينية. والفكرة من وراء هذه المستوطنات هي جعل إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً أمراً مستحيلاً. وكما أشارت الصحيفة، فقد تباهى وزير دفاع نتنياهو، يسرائيل كاتس، خلال المراسم، بعزم الحكومة إضفاء الشرعية على نحو 140 بؤرة زراعية استيطانية في الضفة الغربية، بهدف إحباط أي «محاولات فلسطينية لإرساء وجود فلسطيني في المنطقة».
لماذا تكشف هاتان الصورتان الكثير؟ لأنهما تمثّلان بدقة استراتيجية نتنياهو اليوم، إن جازت تسميتها استراتيجية، وهي مواجهة كل تهديد من حولك بسحقه بمطرقة ثقيلة، مهما أدى ذلك إلى خلق مزيد من الأعداء، ودون تقديم أي أفكار مبتكرة لتحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب استراتيجية دائمة، سواء في قطاع غزة أو لبنان أو سوريا أو الضفة الغربية أو في إيران. ويتعين على إسرائيل على الأقل مناقشة حل وجود دولتين مع السلطة الفلسطينية لكي ترسّخ أي مكاسب استراتيجية. مما يمكن أن يعزل إيران بصورة مستدامة في المنطقة، كما أنه سيجعل من الأسهل والأقل خطورة على الحكومتين اللبنانية والسورية إبرام سلام رسمي مع الدولة اليهودية.
لكن نتنياهو يرفض حتى مجرد المحاولة، ويقوّضها باستمرار. ويتضح للعيان أن سياسات نتنياهو تجعل إسرائيل تخسر أقرب حلفائها. فحتى شخصيات أميركية وسطية مؤيدة لها منذ سنوات، مثل رام إيمانويل، بدأت تعارض استمرار المساعدات العسكرية الأميركية وتُشكّك في مكانتها الخاصة. ولم يَعُد هذا الموقف مقتصراً على اليسار، إذ بات كثير من الأميركيين من مختلف الاتجاهات ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها دولة مدللة استنفدت صبرهم. إذن كيف يمكن أن يبدو تفكير استراتيجي جديد بشأن إسرائيل ولبنان؟
لنبدأ بحقيقة أن إسرائيل، بحسب الإحصائيات، نفّذت ما لا يقل عن سبع عمليات غزو طويلة الأمد أو عمليات عسكرية واسعة في جنوب لبنان، سواء كانت ضد منظمة التحرير الفلسطينية داخل لبنان أو حزب الله منذ عام 1979. وبالطبع، لا يوجد رئيس وزراء إسرائيلي سيسمح لوكلاء إيران في لبنان، أي ميليشيا «حزب الله»، بجعل شمال إسرائيل غير صالح للسكن تحت تهديد الصواريخ. وتُكرّر إسرائيل على الجيش اللبناني القول بضرورة نزع سلاح «حزب الله»، لكن الجيش اللبناني يتكون من مسيحيين ودروز وسنة وشيعة. ونظراً لهيمنة حزب الله السياسية على الطائفة الشيعية في لبنان، ورغم غضب كثير من الشيعة اللبنانيين حالياً من الحزب بسبب استفزازه لإسرائيل نيابة عن إيران، فإن دخول الجيش اللبناني في حرب مفتوحة في جنوب لبنان، أو في بيروت ضد حزب الله، قد يؤدي إلى تفككه وإغراق البلاد مجدداً في حرب أهلية. أما البديل الوحيد الذي يطرحه نتنياهو، فهو تهجير عشرات الآلاف من اللبنانيين من جنوب لبنان إلى بيروت.
وربما قد حان الوقت لطريق ثالث، يمكن تسميته «خطة ترامب لإنقاذ لبنان»، والذي يتضمن الضغط على إسرائيل للانسحاب الكامل من جنوب لبنان، مع نشر قوات مسلحة من حلف الناتو للمساعدة في السيطرة على المنطقة، بالشراكة مع الجيش اللبناني.
ويمكن لإسرائيل الوثوق بحلف الناتو، ولن يجرؤ «حزب الله» أو إيران على مواجهته، وإلا سيتعرضون للسحق، وسيؤيده غالبية اللبنانيين، بمنْ فيهم الشيعة، لأن إسرائيل ستكون قد انسحبت بالكامل من لبنان، وسيفقد حزب الله مبرره لمهاجمة إسرائيل. قد لا يكون هذا الحل مثالياً، لكنه أفضل من استمرار إسرائيل في غزو لبنان، فضلًا عن خطر اندلاع حرب أهلية لبنانية.
ولدى لبنان اليوم أكثر رئيس تعدُّدي ونزيه التفكير وهو جوزيف عون، وأكثر رئيس وزراء معتدل وهو نواف سلام، منذ الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990. وهما على استعداد لصنع السلام مع إسرائيل، لكن ليس على حساب حرب أهلية جديدة. لقد حان الوقت لنهج ثالث يضمن أمن لبنان وإسرائيل، ويكشف حقيقة «حزب الله» كأداة طيّعة في يد إيران، مستعدة للقتال حتى آخر لبناني وآخر إسرائيلي في سبيل خدمة ساداتها في طهران. وقد حان وقت خطة ترامب لإنقاذ لبنان.
إقرأ المزيد


