جريدة الإتحاد - 4/28/2026 12:19:11 AM - GMT (+4 )
لطالما كانت الفلسفة برحابتها وحيويّتها منبوذة ومجرّمة لدى كل المجاميع الأصولية، أو بالأحرى المتطرفة،، كل ذلك مصحوب بتكفيرٍ وزندقةٍ ومنع للكتب، وتشويه للنظريات الكبرى.
لكن منذ عقدٍ ونصفٍ من الآن ومع تغوّل «السوشيال ميديا» في توجيه المجال العام، رأت التيارات المتطرفة أن هذا المجال يُمكّنهم من إعادة تموضعهم النظري، وكل ذلك متزامنٌ مع تغيير الشكل، واللوذ بمنصاتٍ يتابعها الجيل الجديد، بحيث توجّهوا نحو موجة «البودكاست»، بغية إعادة تشكيل نفوذهم ودفن أفكارهم الماكرة بغطاء أسماءٍ فلسفيةٍ أو علمية ذائعة الصيت.
وإذا تأملنا في أي تراث، سنعثر على نتيجةٍ مفادها أن الإلحاح الكلامي والمحاججة اللاهوتية ممهورة بالمنطق، أو بالاستعمال الفلسفي، فلنقرأ سجالات ابن تيمية مع ابن رشد، ويمكن لغير المتخصص الاطلاع على كتاب مهم حوى أسس النقاش بين ابن تيمية وابن رشد لعبد العزيز العماري بعنوان «مناحي نقد ابن تيمية لابن رشد»، بمعنى أن توظيف الفلسفة لا يعني أنها حققت وظيفتها، فيمكن استعمال الفلسفة بصيغٍ شتى ومنها الأصولية والشيوعية وغيرها من التيارات التي استعملت الفلسفة بغية تعزيز نفوذها الأيديولوجي ومنح نظريّتها البعدَ العلمي.
رفائيل ليوجييه الفيلسوف والخبير الفرنسي في الدراسات الاجتماعية، يضيف- وهو باحثٌ انبرى لهذا الموضوع- في مقالةٍ له أن: «الإسلاموية المتطرفة تغذي كراهيتها للغرب ذات المصدر الأيديولوجي من المؤلفين الغربيين الأكثر تنوّعاً، مهما كانت اختلافاتهم الفلسفية والسياسية، أدنى انتقادات كارل ماركس، مارتن هايدغر، وإرنست يونغر، ستتم إعادة تشكيلها وفق قواعد اللغة الإسلامية، فالياسينية حركة إسلامية ثورية مغربية، لها بالتأكيد خصوصيات تميزها عن الأصوليات الجديدة الإيرانية، المصرية، غير أنّها مثل هذه الأخيرة تستعين بالأصوات الكبرى مثل برغسون، نيتشه، شبينغلر، أو حتى شيلر». وعلى هذا فقِس.
إن الاستعمال الأيديولوجي للأفكار الفلسفية، ظهر قبل ظاهرة «البودكاست» في كتابات رموز «الإخوان»، وثمة امتطاء مُحدّث وأصولي للأفكار الفلسفية له جذره وتاريخه، نتذكر كتابات محمد قطب، الذي سعى كما فعل شقيقه سيد قطب نحو تفعيل النقد العنيف للفكر الغربي للحداثة ومصائرها، من أجل تشويه الحضارة الغربية، عبر استعمال مفاهيم ونظرياتٍ فكرية وفلسفية. وهذا فعل مستمرّ حتى اليوم، ولكن بصيغٍ أشدّ خطورةً، وبمنصاتٍ أكثر انتشاراً، إذ سرعان ما ينطلق المتفلسف «الأصولي» ليصل نحو هدفه، من دون أي عناءٍ فلسفي يوحي بالمغامرة أو التحدي أو القفز على القناعات المضمونة.إنهم بهذه الصيغ الاستعمالية للنظريات الفلسفية وللأسماء التاريخية الخالدة يتغلغلون بصمتٍ ويكتمون «أصوليتهم»، ويجدون في هذا المجال الرحب مساحةً لضخّ المزيد من مفاهيم التصعيد والتثوير ضد المجتمع وينطلقون من حشوٍ فلسفي منقوص لتغذية الكراهية، والهجوم على مفهوم الدولة، ومؤسساتها.الخلاصة، أن ظاهرة «البودكاست» الفلسفي الذي تمكّن منه «الأصوليون» تأتي ضمن نمطٍ مخادع قشرته التغيّر نحو المدنية، وهذا جدّ خطير، إذ يكمن في باطنه مشروعٌ «أصولي» فتّاك، والانتباه لهذا الموضوع ضروريّ بغية توعية الأجيال الجديدة التي ربما ينطلي عليها هذا المكر.
*كاتب سعودي
إقرأ المزيد


