جريدة الإتحاد - 4/28/2026 12:33:16 AM - GMT (+4 )
لا شك في أن أعمال القمة الأوروبية الأخيرة في نيقوسيا قد تناولت موضوعات الساعة المهمة بالنسبة لأوروبا، كمسائل الطاقة وحرية المرور في الممرات المائية الدولية. ومع ذلك يمكن القول بأنها لم ترتق إلى مستوى تقديم إجابات محددة وعملية على أسئلة المصير الأوروبي التي تشابكت وتعقدت في الآونة الأخيرة. والحقيقة أن تجربة التكتل الأوروبي أشارت منذ بدايتها إلى معضلة العلاقة بالولايات المتحدة، فهذه الأخيرة صاحبة فضل لا يمكن إنكاره على أمن أوروبا وازدهارها الاقتصادي، فإليها يرجع الفضل الأول، مع الاتحاد السوفييتي، في هزيمة المشروع النازي الذي عصف بأوروبا. وكذلك إليها يعود الفضل في إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب من خلال «مشروع مارشال».
كما يعود إليها الفضل أيضاً في قيادة المنظومة التي أَمَّنَت أوروبا إبان الحرب الباردة، والتي تمثلت في حلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ نهاية الأربعينيات. ولقد تعرض التحالف الأميركي الأوروبي لأول التساؤلات بمناسبة ظهور فكرة العمل من أجل وحدة أوروبية، أو على الأقل تكتل قوي يعيد لأوروبا مكانتَها العالمية، بعد أن فقدت دولُها الكبرى، كبريطانيا وفرنسا ناهيك بألمانيا وإيطاليا، هذه المكانة، نتيجة الحرب العالمية الثانية وما شهدته من دمار غير مسبوق. فقد أُثيرت، مع الخطوات الأولى باتجاه السعي نحو الوحدة الأوروبية، أسئلة تتعلق بأبعادها، وهل تشمل البعدَ الأمني العسكري، بمعنى أن يكون لأوروبا الموحدة ذراعها العسكري المستقل؟ أم أن السعي للوحدة الأوروبية يجب ألا يمس الشكل الأمني التنظيمي متمثلاً في التحالف الأميركي الأوروبي، أي حلف الأطلسي؟
وقد جاءت الإجابة عن هذه التساؤلات في حينه لصالح الإبقاء على الإطار الأميركي الأوروبي الجامع على حساب البديل الدفاعي الأوروبي المستقل. واعتُبِرَت هذه الإجابة نتيجة لتفاعل عاملين، أولهما غياب التوافق الأوروبي على ضرورة وجود ذراع دفاعي مستقل، وثانيهما عدم الثقة بأن القدرات الأوروبية تكفي لتوفير الحماية للتكتل بعيداً عن التحالف مع الولايات المتحدة. ورغم ذلك فقد استمر الجدلُ، بل وتفجّر أحياناً، كما ظهر في النهج الديجولي المستقل في ستينيات القرن الماضي، والذي أدى لخروج فرنسا لعقود من مظلة القيادة العسكرية لحلف الأطلسي. غير أنه مع مجيء ترامب لسدة الرئاسة في عام 2017 بدا أن المسألة تأخذ شكلاً معكوساً، بمعنى أن الولايات المتحدة في ظل رئاسة ترامب ظهرت وكأنها هي التي لم تعد حريصةً على التحالف مع أوروبا، وقد كانت المؤشرات على ذلك غير مباشرة في البداية، بتأكيد ترامب على ضرورة إعادة توزيع الأعباء المالية للحلف، بحيث تتحمل الدول الأوروبية نصيبَها الواجب منها.
غير أن المسألة اتضحت في ولايته الثانية، كما ظهر أولاً في نهجه المغاير للنهج الأوروبي في حرب أوكرانيا. ثم جاء المؤشر الأخطر متمثلاً في مطالبته بجرينلاند، وهي مطالبة كان مستحيلاً أن يقبلها الاتحاد الأوروبي. وأخيراً شن ترامب الحرب على إيران دون تشاور مع حلفائه الأوروبيين، فلم يقدموا له المساعدةَ التي كان ينتظرها منهم، مع أنهم لا يختلفون معه حول الموقف من النظام الإيراني. وهكذا اتسع الخرق في التحالف الغربي، ووجَّه ترامب انتقادت لاذعة لحلف الناتو، وصلت إلى حد التلويح بالانسحاب منه. ومن هنا أصبح سؤال المصير الأوروبي بين استمرار الاحتماء بالمظلة الأميركية والعمل على بناء مظلة أوروبية مستقلة، سؤالاً بالغ الإلحاح.
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة
إقرأ المزيد


