جريدة الإتحاد - 5/1/2026 12:21:02 AM - GMT (+4 )
قال لها زوجها بعد طلاقها، وتمسكها بابنها: «ترا.. الحرمة ربت ثوراً وما يزر»! اكتفت بالصمت وغطت وجهها بشيلتها عنه، وسحبت ابنها من يده، كانت امرأة عنيدة، وقوية رأس، ولا تخجلها الكلمة، بل تبدّها غير حافلة، لذا لم تستقر براحتها إلا في عريشها الذي كان يعتلي نكوّد رمل اختارته لتبقى في رؤوس الشرايف، حتى إنها لم تحظره، لأن لا أحد ولا نظر يمكن أن يصل لسكنها، عاشت في ذاك المكان سنين هي ومعزاتها وبقرتها التي كانت تدر عليها ما يمكن أن تعيش به دون أن تمدّ يدها لأحد، ولا تعتاز لحاجة من أحد، حتى والدها كانت تعده رجلاً انحاز لزوجته الجديدة بعد وفاة أمها، ولم ينصفها، بل قرر التخلص منها، مثلما قرر التخلص من رائحة والدتها، وحده ولدها حبة العين من يملأ المكان وخلو الروح، والذي بقي الناس يسمونه ولد أمه كنوع من التصغير.
تقدم لها رجال كُثر طمعاً في جمالها المخفي الذي تسربه النساء اللواتي يعرفنها، لكنها كانت تتعذر بابنها الذي أصبح رجلاً في نظرها، ولا تريد له شريكاً في ذاك العريش، لكنها في حقيقة أمرها كانت لا تحب أن تكون ضلعاً أعوج، ولا ناقصة عقل ودين، فهي تنهض مع أذان الفجر مثل الرجال طلباً للرزق، وتعيل صبياً يكبر، ولا تقصرّ فيما يطلب منها وتقدر عليه في تلك الواحة المتحابة، والمنذور أهلها للخير والعون، ولأنها كانت تريد أن تثبت لذاك الزوج أن المرأة تنجب ولداً، وينجب!
وحده ذاك الرجل الذي كان يعمل في جبل الظنة، ويأتي في آخر كل شهر أسبوعاً فرحاً بالواحة وأهلها وما بقي من تمرها أو بشارة بسرها، قدر أن يستميل قلبها لطيبته، ولأنها كانت تلعب معه وهي صغيرة، وضمر له قلبها الصغير ذاك الحين كثيراً من الود، ثم نسته، حتى قدرت الأيام أن تذكرها به، أنه هلال أو الذي كانت تسميه «هلّول»، وتضيف عليها كلمة «البهلول» لتضحكهما ويتخاصمان بعدها، قبلت به زوجاً، وقبل هو أن يكون أباً لابنها، وسرعان ما أنجبت منه ولداً كانت تسلية ذاك العريش الذي كبر وصار له حظار حوله، وزيد في مساحته مسكبي لولدها الذي كبر قليلاً، وصارت تنعته برَجّلي، وكثرت أنعامها، وصارت تهبط بمنتجاتها سوق العين القديم.
وفي يوم كانت تنتظر قدوم رجلها من جبل الظنة وصل خبر مثقل بالحزن إلى أم سبع البلادين أنّ شاحنة صهريج النفط انقلبت عند سبخة الحَفّار، وأن «هلال» انحرق فيها، كان ذاك الخبر مثل أن ينخاق سقف العريش على رأسها أو تأكل الدواب حظر بيتها، شعرت حينها أنها كُشف سترها، وهُدم عمرها، وأنها لعنة رجال أحبوها أو هي أحبتهم.
ألتفت حول ابنيها، وغلقت باب بيتها، وجلست عدتها، وقالت بعد أن مسحت على قضاب برقعها: يكفيني من هذه الحياة رجلين هما عينا البصر، وذخر البصيرة، وستقول هذه المدينة في يوم تعبها وعوزها وساعة ما يصيح الصائح أن «بنت سلطان» رَبّت شبلين، لا ثورين، وأنها أنجبت حين أنجبت!
إقرأ المزيد


