جريدة الإتحاد - 5/4/2026 11:36:39 PM - GMT (+4 )
يشكّل إطلاق وزارة الاقتصاد والسياحة لمنصة أسعار السلع الرئيسية خطوة محورية في تطوير منظومة الرقابة وحماية المستهلك ويعكس توجهاً حديثاً نحو سوق منظم مدعوم بالتقنيات الرقمية المتقدمة بهدف رفع وعي المستهلك بأساليب التسوق الذكي، وضمان شفافية شاملة حول أسعار السلع والمنتجات المدرجة على المنصة الرقمية. وتتيح المنصة الجديدة جمع وتحليل بيانات أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية والرئيسة، حيث تضم في مرحلتها الأولى 33 سلعة، مقسمة إلى 17 سلعة استهلاكية أساسية و16 سلعة رئيسة أخرى، ويتم رصد أسعارها بشكل لحظي وآني من 12 منفذاً رئيساً في الدولة، مع نشر الحد الأدنى والحد الأعلى للأسعار في كل منفذ، ما يمكّن المستهلك من مقارنة الأسعار بسهولة بين مختلف الفروع.
وتكتسب هذه المنصة أهمية استثنائية بالنظر إلى حجم قطاع تجارة الجملة والتجزئة، الذي يُعد المحرك الأكبر للاقتصاد الوطني غير النفطي، حيث يسهم بأكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وبقيمة بلغت 62.7 مليار درهم في إمارة أبوظبي وحدها خلال عام 2024، محققاً نسبة 5.3% من إجمالي ناتج الإمارة، بينما يمثّل 23.8% من الناتج المحلي لإمارة دبي. ومع التوقعات بوصول حجم سوق التجزئة في الإمارات إلى 237.7 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 4.89%، تبرز الحاجة الماسة لأدوات تنظيمية مبتكرة تضمن استقرار هذا القطاع الحيوي وحماية أطرافه كافة.
وتمثّل المنصة آلية حيوية لإدارة التضخم وتوجيه السلوك الاستهلاكي نحو الرشد والوعي، فعلى الرغم من أن معدل التضخم العام في الإمارات يُعد أقل مقارنة بالمعدلات العالمية، حيث سجل 2.04% في ديسمبر 2025، مع توقعات المصرف المركزي باستقراره عند 1.8% في عام 2026، فإن تضخم أسعار الغذاء يتطلب يقظة مستمرة ومتابعة دقيقة.
من زاوية أخرى، تعكس هذه المبادرة وعياً عميقاً بالتركيبة الديموغرافية والأنماط الاستهلاكية المتنوعة في الدولة. فمع بلوغ عدد السكان حوالي 11.35 مليون نسمة عام 2025، وما يرافق ذلك من تنوع ثقافي واستهلاكي كبير، يتزايد الطلب على السلع الغذائية الأساسية بشكل مطرد. وتشير تقديرات وزارة الزراعة الأميركية (USDA) إلى أن الفرد في الإمارات يُنفق في المتوسط ما يقارب 2981 دولاراً سنوياً على الغذاء المستهلك في المنزل، وهو ما يمثل نسبة تتراوح بين 9% و12% من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي.
وتشمل المنصة سلعاً استراتيجية تمس الحياة اليومية لكل أسرة، من زيوت الطهي والبيض والألبان والأرز إلى اللحوم والدواجن والخضراوات والفواكه، والتي تمثّل 9 منها خطاً أحمر لا يجوز زيادة أسعارها دون موافقة مسبقة، وفقاً لقرارات وزارة الاقتصاد والسياحة. ويخلق هذا الدمج بين الشفافية الرقمية والضوابط القانونية الصارمة يخلق درعاً واقياً يحمي القوة الشرائية للمواطنين والمقيمين على حد سواء.
ولا تقتصر جهود حماية المستهلك في الإمارات على إطلاق المنصات الرقمية فحسب، بل تتزامن مع حملات رقابية ميدانية مكثّفة لضمان الالتزام الفعلي بالأسعار المعلنة. فقد نفّذت وزارة الاقتصاد والسياحة أكثر من 8168 عملية تفتيش على مستوى الدولة لمراقبة الأسعار وحماية المستهلكين، أسفرت عن تحرير مئات المخالفات وتوجيه إنذارات للمتلاعبين بالأسعار، مع فرض غرامات رادعة تصل إلى 200000 درهم للمخالفين. وتستند هذه الإجراءات إلى بنية تشريعية صلبة، أبرزها المرسوم بقانون اتحادي رقم 36 لسنة 2023 لتنظيم المنافسة ومنع الاحتكار، والذي يجرّم الممارسات الاحتكارية والتلاعب بالأسعار باعتبارها جرائم اقتصادية وليست مجرد ممارسات تجارية خاطئة.
إن ترابط هذه الأدوات الرقابية، من منصة أسعار لحظية ترصد السوق إلكترونياً وتحدّث بياناتها يومياً عبر الربط المباشر مع منافذ البيع، إلى فرق تفتيش ميدانية تضبط المخالفات على أرض الواقع، ومنظومة تشريعية تفرض عقوبات صارمة على المتلاعبين، يعزّز بيئة استهلاكية آمنة ومستقرة، ويدعم تنافسية الاقتصاد الوطني واستدامته، انسجاماً مع مستهدفات رؤية «نحن الإمارات 2031»، التي تسعى إلى بلوغ ناتج محلي إجمالي يصل 3 تريليونات درهم خلال العقد المقبل.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


