جريدة الإتحاد - 5/4/2026 11:47:14 PM - GMT (+4 )
مع زيارة وزير الخارجية الإيراني موسكو، عقب تعثُّر المحادثات الأميركية - الإيرانية في إسلام آباد، تجدّد الحديث عن احتمالات وساطة روسية في النزاع الراهن.
وتشير أدبيات العلاقات الدولية إلى شروط محددة يجب توفرها في القائم بدور الوساطة، أهمها أن يكون مقبولاً من أطراف النزاع، فضلاً عن شروط أخرى كأن تكون لديه خبرة إيجابية سابقة، أو رؤية محددة تصلح أساساً للتسوية، ولا تتوفر هذه الشروط كلها دائماً، لكن المؤكد أن حداً أدنى منها ينبغي وجوده، وهو ما يبدو في الحالة الروسية، إذ إن لروسيا علاقات قوية مع إيران، وكذلك مع دول مجلس التعاون الخليجي الطرف المهم في النزاع.
وروسيا بالتأكيد حريصة على استمرار هذه العلاقات، وبالتالي تُمثّل التسوية السياسية الخيار الأمثل لمصالحها، على نحو يذكّرنا بالوساطة الصينية بين السعودية وإيران لإنهاء القطيعة بينهما التي بدأت في2016، وذلك باتفاق 2023 بين البلدين، فماذا عن القبول الأميركي لدور وساطة روسية محتمل؟ من الواضح أن العلاقات الروسية - الأميركية، في ظل ولايتي ترامب الأولى والحالية، كانت ومازالت أفضل منها بكثير في عهد رؤساء أميركيين سابقين آخرهم جو بايدن، وإنْ كان هذا لا يعني أن هذه العلاقات لا تواجه تحديات ومشكلات. وقد انتقد ترامب الرئيس الروسي بوتين غير مرة لعدم تجاوبه الكامل مع أفكاره بشأن تسوية الصراع في أوكرانيا، غير أنه لم تحدث قطيعة أبداً بينهما، وقد أظهر ترامب عموماً مواقف متباينة تجاه دور محتمل لوساطة روسية، إذ تراوحت بين الانفتاح المشروط والرفض القاطع، ففي جولة الحرب الأولى في يونيو2025 مثلاً أعلن انفتاحه على دور روسي، لكنه بدا من ناحية أخرى متشككاً في قدرة بوتين على القيام بأي دور، وظهر هذا من نصيحته لبوتين بأن يتوسط «في شؤونه الخاصة»، ملمّحاً إلى انغماسه في المعضلة الأوكرانية، فماذا عن الموقف الروسي؟
يُلاحظ أولاً أن بوتين استقبل وزير الخارجية الإيراني في زيارته الأخيرة لروسيا، وهو ما يعكس رغبته في توصيل رسالة تفيد اهتمامه بالموضوع، لأنه كان ممكناً في إطار القواعد البروتوكولية أن يُكتفى باستقباله من وزير الخارجية، كما أنه تعهّد بأن روسيا «ستفعل كل ما يصبّ في مصلحة إيران ودول المنطقة الأخرى» لضمان السلام، خاصة في ظل استمرار التوتر الراهن.
ومن الواضح أولاً حرص بوتين على تأكيد أن علاقة بلاده القوية بإيران لا تعني بحال أن جهودها الدبلوماسية ستكون متحيّزة لها، ومن هنا التشديد على مراعاة المصالح المشتركة للأطراف كافة في أية جهود للوساطة تبذلها روسيا.
ونلاحظ ثانياً أن روسيا لم تطرح أية أفكار محددة ومتكاملة تصلح أن تكون مشروعاً لوساطة متكاملة، غير أنه لوحظ ثالثاً أن مكالمة هاتفية لمدة 90 دقيقة تمّت بين بوتين وترامب عقب لقاء وزير الخارجية الإيراني، وذكرت التقارير عن هذه المكالمة أن بوتين أبلغ نظيره الأميركي استعداد روسيا لبذل جهود لتسوية الأزمة مع إيران سلمياً، كما أن مصادر الكرملين أعلنت أن روسيا ستقوم بصياغة موقفها بناءً على ما نقلته طهران، بالإضافة لإشارات تلقّتها من إسرائيل والولايات المتحدة، وهو ما قد يفيد بأن ثمّة مشروعاً لوساطة روسية ربما يكون في الطريق، غير أنه لا شيء يبدو مؤكداً ككل ما يتعلق بهذه الأزمة.
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة.
إقرأ المزيد


