جريدة الإتحاد - 5/4/2026 11:47:28 PM - GMT (+4 )
يعتبر السياسي الأميركي الراحل هنري كسينجر (27 مايو 1923 – 29 نوفمبر 2023) أحد أبرز من نظّر عن مشكلات الإقليم وتشعّبات مشاكله؛ وما كان حديثه مقتصراً على السياسة، وإنما دخل في تحليل الأفكار المتداولة والمؤثرة على المجتمعات.
على سبيل المثال يخوضَ السياسيٌّ المخضرمٌ بمجالٍ بعيدٌ عن صلب عمله وهو البحث عن الإسلام السياسي، خاصة بما يتعلّق بجماعة «الإخوان».
عرَض هنري كسينجر تقييمه لهذه الحركة وآثارها على الإقليم في عددٍ من كتبه، ومنها: «سنوات التجديد» و«النظام العالمي».
وما كان هذا التعليق إلا نتيجة خبرتيْن: سياسية وعلميّة. لقد قيّم هذه الحركة ووصفها بشكلٍ دقيق.
ثمة سببان لذلك برأيي؛ الأول: أن كسينجر يعرف المنطقةَ وتشعباتِها وحقب التحوّل فيها وصراعات التشكّل، ولذلك اعتبر هذه الجماعة المارقة جزءاً من تاريخ الأحداث والنكبات في الإقليم.
الثاني: أن موضوع جماعة «الإخوان» رافعتها السياسية الأساسية ذات طابع ديني واجتماعي، وبالتالي من السهل نقل النفوذ إلى الناس عن طريق الشعارات الدينية الأيديولوجية. وعليه، فإن درْسها شرط لفهم التحوّلات في الإقليم.
ويمكن تلخيص نظرية كسينجر عن الإسلام السياسي بالآتي:
أولاً: يصف كسينجر ظهور الحركة بقوله: «وفي ربيع 1947، أقدم حسن البنا، وهو ناشط ديني، ساعاتي، معلم مدرسة، على توجيه رسالة انتقاد للمؤسسات المصرية، إلى الملك المصري فاروق، بعنوان (نحو النور)، قدمت الرسالة بديلاً إسلامياً عن الدولة الوطنية».
ثانياً: يتطرّق للتأسيس ويقول: «منذ أيامها الأولى، بدأت بتجمع غير رسمي لمسلمين متدينين معادين للهيمنة البريطانية على قناة السويس المصرية، كانت جماعة إخوان البنا قد نمت وباتت شبكة نشاط اجتماعي وسياسي تغطي البلاد، ذات عضوية بلغت عشرات الآلاف، ذات خلايا في كل مدينة مصرية، وذات شبكة دعائية مؤثرة تتولى نشر تعليقاته على الأحداث الراهنة».
ثالثاً: يتحدّث عن البنا والغرب، حيث يقول: «باتت القوى الغربية فاقدة التحكم في نظامها العالمي الخاص: مؤتمراتها خائبة، معاهداتها منتهكة، ومواثيقها ممزقة نتفاً». لم تكن عصبة الأمم التي أريد لها أن تحفظ السلام، إلا «سراباً». وعلى الرغم من أنه لم يستخدم العبارات، فإن البنا كان يجادل قائلاً إن نظام «وستفاليا» العالمي بات فاقداً لكل من الشرعية والسلطة. وكان يعلن صراحة أن فرصة إيجاد نظام عالمي جديد قائم على أساس الإسلام قد حَلّت.الخلاصة، أن درْس هنري كسينجر لهذه الجماعة، وإن كان عابراً، غير أنه ضروري باعتبار هذا الفصيل الأصولي المارق المزعج أثّر كثيراً على السياسات والمجتمعات في الإقليم.
بيد أن هذا لا يعني أن كسينجر كان مهتماً بالمكْر الأيديولوجي للإخوان بقدر ما تعامل مع الموضوع بآليةٍ نفعية، وعليه فإن الانتباه لهذا التمييز ضروري بغية فهم ومواجهة هذه الحركة المارقة.
والعداء للدولة الوطنية واضح في فكر «الإخوان» منذ تأسيس الجماعة، وقد أشار كيسنجر إلى هذا العداء عندما نقل إجابة البنا عن سؤال: كيف يمكن تشكيل نظام عالمي إسلامي عصري؟ حيث جادل البنا بأن المسلم الحقيقي يجب أن يكون «متعدد الانتماءات»، فعند إقامة نظام إسلامي موحّد سيكون العالم كله هو وطنه. ما يعني إلغاء فكرة الدولة الوطنية كإطار جامع وحاضن للهوية يفوق أي انتماء أيديولوجي أو ديني أو مذهبي.
إن نشوء هذا التنظيم عطّل الكثير من أفكار السلم والتفاعل بين الشعوب، وإذا أردنا البحث في أي مجتمعٍ فعلينا التنقيب عن الأفكار المتداولة فيه، ومربط الفرس أن جماعة «الإخوان» هي جزء من كل النكبات التي تُعاش الآن ويعاني منها الناس، إنهم ينشرون خليطاً من أفكار شمولية أيديولوجية معادية للإنسان ومضادة للنظريات الدنيوية.
*كاتب سعودي
إقرأ المزيد


