جريدة الإتحاد - 5/5/2026 11:52:26 PM - GMT (+4 )
تحرك المنطقة في لحظة دولية بالغة الاضطراب، تتداخل فيها الحروب التقليدية مع النزاعات بالوكالة، ويتجاور فيها الصراع العسكري مع التوظيف الأيديولوجي، حتى غدا المشهدُ الإقليمي محكوماً بتحديات لا تُقرأ بمنطق الأمن الصلب وحده، بل بمنطق التحولات التي تعيد تشكيلَ مصادر التهديد ذاتها. ففي قلب هذه التحولات برزت ظاهرةٌ مقلقة، عنوانُها أن اتساع بؤر النزاع أتاح لقوى التطرف، والتنظيمات العابرة للحدود، والميليشيات المؤدلجة، فرصاً جديدة لإعادة التموضع والتغلغل واستثمار الفوضى.
حين تتصدع البيئات الجيوسياسية، تتقدم الفواعل غير الدولتية إلى المشهد. وهذه قاعدة تكاد تؤكدها تجاربُ الشرق الأوسط والساحل الأفريقي معاً. فما يجري من العراق إلى ليبيا، ومن غزة إلى الساحل الأفريقي، يكشف أن الاضطرابات الكبرى لم تكتفِ بإنتاج أزمات أمنية، بل أفرزت اقتصاداً سياسياً للفوضى، تتحرك داخله الجماعات الإرهابية والميليشيات الانفصالية، وشبكات التهريب والتمرد، ضمن تقاطعات معقدة تتجاوز الحدودَ الوطنية.
والتحول الأخطر أن تلك التشكيلات لم تعد تتحرك باعتبارها قوى احتجاج أو تمرد منعزلة، وإنما بات بعضها يشتغل داخل خرائط نفوذ تتقاطع فيها مشاريع توسعية ومصالح استراتيجية عابرة للإقليم. وفي هذا المستوى يصبح التطرفُ أداةً ضمن صراع النفوذ، لا مجرد ظاهرة هامشية. فبعض الجماعات تُستثمر لتعطيل الدولة، وبعضها يُوظف لإرباك المجال الوطني، وبعضها يتحول إلى أوراق ضغط في صراعات المحاور.
وهنا تتكشف صورةٌ أشد تعقيداً: تلاقٍ وظيفي بين «الإسلام السياسي» و«الإسلام الجهادي»، وبين شعارات المقاومة وبعض المشاريع القومية الراديكالية، بل وبين رواسب يسارية مأزومة وتيارات انفصالية، يجمع بينها -رغم اختلاف المرجعيات- نزوعٌ مشترك إلى إضعاف الدولة المركزية وإعادة توزيع الشرعية خارج مؤسساتها. هذا التلاقي لا يقوم دائماً على تحالف معلن، بل كثيراً ما يتشكل في الممارسة، حيث تتلاقى المسارات عند ضرب الاستقرار والطعن في فكرة الدولة الوطنية.
ولهذا فإن الخطر لم يعُد يُختزل في جماعة متطرفة هنا أو تنظيم مسلح هناك، وإنما في بنية تفكيك أوسع، تستخدم الخطابَ الديني حيناً، وسرديات المظلومية حيناً، وشعارات التحرر حيناً آخر، بينما تؤول جميعها إلى النتيجة ذاتها: إنهاك الدول، وتفتيت المجتمعات، وإضعاف مناعة الأوطان.
ومن هنا تتعاظم قيمة النموذج الذي يربط الأمنَ بالتنمية، والاستقرار ببناء الإنسان، والسيادةَ بتحصين المجال الوطني من الاختراق. وهذه الرؤية التي كرستها دولةُ الإمارات في مقاربتها لمواجهة التطرف، لم تقف عند حدود الردع، بل بنت فلسفةَ وقاية قوامها الاعتدال، وتعزيز المواطنة، وتجفيف البيئات المنتجة للراديكالية، وتحويل الدولة إلى فضاء ثقة لا مجرد سلطة إدارة.
في هذا السياق، يصبح الدفاع عن الدولة الوطنية دفاعاً عن السلم الأهلي، وعن وحدة المجتمع، وعن إمكان المستقبل العربي ذاته. فالمعركة اليوم ليست مع جماعات معزولة، بل مع سرديات ومشاريع تسعى إلى إزاحة الدولة من مركز المجال العام. وإذا كان لكل مرحلة سؤالها الحاسم، فإن سؤال هذه المرحلة هو: كيف تُحصَّن الدولة قبل أن تتحول أزمات الإقليم إلى أدوات لاختراقها؟
إن صيانة الدولة الوطنية لم تعد قضيةً سياسية ظرفية، بل ضرورة حضارية، لأنها الإطار الذي يحفظ التعدد، ويمنع الفوضى، ويصون كرامة الشعوب من أن تصبح رهينةً لصراعات الوكلاء ومشاريع التوسع. وفي زمن الاختراقات المركبة، تبقى الدولةُ القويةُ العادلةُ هي خط الدفاع الأول.. وربما الأخير.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة
إقرأ المزيد


