جريدة الإتحاد - 5/6/2026 11:21:49 PM - GMT (+4 )
تنهض الحضارات حين تجعل المعرفة قلب عمرانها، وتغدو الجامعة فيها أكثر من مبنى للتعليم، تُصبح ذاكرةً للعقل، ومختبراً للمستقبل، ومصدراً للمعنى. وقد عرفت مدن كبرى حضورها العالمي عبر جامعاتها، فأكسفورد، وكامبردج، والسوربون، وماساتشوستس، مدن وجدت في الجامعة روحها، ووجد العالم فيها عنواناً للعِلم والنهضة والتأثير.
ومن هذا الأفق، تتمايز الجامعات في التاريخ، فبعضها يؤدي دوراً تقليدياً في وظيفة نقل المعرفة والتعليم ضمن نمط اعتيادي مألوف. وبعضها يصنع فكراً، ويؤسِّس لمدارس معرفية جديدة، ويُثري الحضارة الإنسانية بإنتاج نوعي يفتح آفاقاً غير مسبوقة. الجامعة في معناها الأعمق مشروع إنساني شامل، يتجاوز التخصصات الضيقة نحو بناء الإنسان القادر على الفهم والتأويل والإبداع، فيتحول العِلم من أداة وظيفية إلى قوة حضارية، والجامعات الكبرى هي تلك التي تصنع الإنسان قبل التخصص.
وفي أبوظبي، وترجمةً لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تأسست جامعتان تحملان معنى التوازن الحضاري: جامعة للعلوم الإنسانية، وجامعة للذكاء الاصطناعي. هذا الاختيار العميق يؤكد أن الحضارة تصنعها التقنية حين تستنير بالإنسان، ويصنعها الفكر حين ينفتح على أدوات العصر. فالعقل الإنساني يمنح العالم الحكمة، والعقل التقني يمنحه القدرة، ومن اجتماعهما تولَد نهضة متزنة. ومن هذا التلاقي، تتشكّل حضارة متماسكة، قادرة على الابتكار دون أن تفقد معناها.
ومن هنا تتضح مركزية العلوم الإنسانية في عصر التقنية المتسارع. فتصوّر تراجعها أمام الذكاء الاصطناعي يعكس قراءة سطحية لطبيعة المعرفة. إنّ الانشغال بملفات الفضاء والخوارزميات يظل ناقصاً حين ينفصل عن فهم الإنسان، إذ إن المجتمعات تحتاج إلى مَن يدرس تحولات الوعي، وبنية القيم، وأنماط السلوك. والذكاء الاصطناعي، بوصفه نتاجاً بشرياً، يظل محتاجاً إلى فلسفة تضبط غاياته، وإلى أخلاق توجّه استخدامه، وإلى علوم نفس واجتماع تعزّز قدرة الإنسان على إنتاج المعرفة ذاتها.
وفي هذا السياق، استطاعت جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، خلال خمسة أعوام، أن تُحدث تحولاً نوعياً في مجال العلوم الإنسانية، وأن تُسهم في إعادة تشكيل المشهد المعرفي العربي والإسلامي. فقد دفعت عَجلة التحول في الدراسات الإسلامية نحو آفاق أكثر انفتاحاً وعمقاً، وأسهمت في تجديد الخطاب الديني بما يواكب تحولات العصر، إلى جانب نهوضها باللغة العربية وتعزيز حضورها في المجالات الثقافية والإبداعية والتعليمية، وترسيخها للقيم الإنسانية والهوية الوطنية عبر منظومة تعليمية ومبادرات مجتمعية فاعلة.
ويتجلى في الجامعة حراك فلسفي عربي استعاد حيويته بعد سنوات من الجمود، حراك يعيد للمعرفة بعدها الإنساني، ويعمل على أنسنة الخطاب العام والديني ضمن رؤية متزنة، بعد عقود من محاولات أسلمة العلوم والمجال العام. وقد أسهمت الجامعة في إعداد كوادر فلسفية عربية، وفي إنتاج معرفي فلسفي أعاد للفلسفة حضورها المفتقد في المشهد العربي، ولا سيما في منطقة الخليج. ويأتي هذا النشاط ضمن تكامل منهجي مع الدراسات الإسلامية، واللغة العربية، وعلم الاجتماع، بما يؤسّس لمشروع معرفي شامل يربط بين الإنسان ومحيطه.
ولعل من أبرز ما يعتز به المنتسب إلى هذا الصرح العلمي، ما تقدمه الجامعة من إصدارات فلسفية عميقة تعالج قضايا فلسفة اللغة، والدين، والأخلاق، والعلوم، والتاريخ، في محاولة جادة لإعادة بناء المفاهيم وإثرائها. كما امتد نشاطها إلى قلب أوروبا، حيث تواجدت في مؤتمر فلسفي في جامعة السوربون بباريس، مؤكدة حضورها كشريك علمي في إثراء الفلسفة والحراك الفكري الإنساني، وتعزيز الحوار بين الحضارات والثقافات.
إنّ ثمار هذا الدور ستظهر في العقل العربي والمجتمع الإماراتي بعد عقود، في خطاب ديني أكثر رشداً، وحراك فكري وفلسفي وثقافي أكثر اتزاناً، وبصمة قيمية وأخلاقية وهوية وطنية راسخة تتركها الجامعة في كوادرها، ثم ترفد بها قطاعات الدين، والمجتمع، والثقافة، والتعليم، والإعلام. وهو رهان رابح من قائد حكيم قَرَن اسمه بمهمة فكرية رفيعة، تستأنف مسار الإبداع العربي وتُعيد وصل الحاضر بجذور الإنتاج الحضاري، حتى يغدو العقل فاعلاً في صناعة المستقبل، ومؤثّراً في تشكيل الوعي الإنساني.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


