جريدة الإتحاد - 5/6/2026 11:55:38 PM - GMT (+4 )
تمثّل مبادرة «سند وحكمة»، التي أطلقتها مؤسسة التنمية الأسرية، نقلةً مهمةً في منظومة التنمية الأسرية، إذ تعيد تفعيلَ دور الأجداد كركيزة أصيلة في بناء الأسرة، ورافد حيوي لنقل القيم والخبرات المتوارثة بين الأجيال. وجاء إطلاق المبادرة بتوجيهات سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، ليكون خطوةً نوعية تتزامن مع عام الأسرة 2026.
وتأتي المبادرة في توقيت استراتيجي يواجه فيه المجتمع تأثيرَ نمط الحياة الحديث في الروابط الأسرية، وهي تمثل استجابة استباقية تنسجم مع رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بتخصيص العام 2026 عاماً للأسرة، وفي ظل التحولات الاجتماعية والديموغرافية السريعة التي تشهدها الإمارات، من أجل تعزيز التوازن بين الحداثة والأصالة، حيث إن الأسرة ليست مجرد وحدة اجتماعية، بل هي النواة الحقيقية للتماسك الوطني والاستدامة المجتمعية. تتجاوز المبادرة الإطار التقليدي للتكريم، لتصبح منصة مجتمعيةً رائدةً متعددة الأبعاد، إذ يركّز بعدُها الاجتماعي على ترسيخ الروابط الأسرية وتعميق التواصل بين الأجيال، حيث يُفعَّل دور الأجداد كشركاء فاعلين في تنشئة الأحفاد.
أما البعد الثقافي فيُحيي مفهومَ «الحكمة» بوصفها تراثاً حيّاً ينقل قيم الاحترام والتضامن والصبر، ويضيف البعد النفسي شعوراً بالانتماء والأمان لدى الشباب، ويخفف من ضغوط الحياة المعاصرة من خلال الاستناد إلى تجارب الأجداد. وعلى المستوى الوطني، تعزّز المبادرةُ الرؤيةَ التنمويةَ بجعل الأسرة قاعدةَ التقدم الاقتصادي والاجتماعي، فالأسرة المتماسكة تقدِّم للدولة والمجتمع أفراداً أكثر إنتاجية وانتماءً، مما يدعم اقتصادَ المعرفة ويحافظ على التراث في مواجهة التنوع الثقافي.
أما على المستوى المجتمعي، فإنها تقلّل من الشعور بالعزلة لدى كبار السن، وتعزّز الصحةَ النفسيةَ للأجيال الشابة، وتشجع على بناء مجتمع مترابط يجمع بين حكمة الماضي وطموح المستقبل. دلالات المبادرة عميقةٌ، فهي تؤكد أن كبار السن ليسوا «ماضياً» بل «سنداً» حاضراً يبني المستقبل.
ففي مجتمع دولة الإمارات، الذي يتميّز بتنوع سكاني كبير، تعيد المبادرةُ تأكيدَ الهوية الوطنية عبر ربط الجيل الجديد بجذوره، مما يعزّز الولاء والانتماء. كما أنها تتوافق مع أجندة نمو الأسرة الوطنية 2031، وتجسّد رؤية الإمارات في جعل الأسرة محور التنمية المستدامة.وتسعى «سند وحكمة» إلى أهداف متكاملة وواضحة أهمها تعزيز استقرار الأسرة من خلال دعم الشباب على الإقبال الواعي على الزواج والإنجاب، وتأسيس أسر مستقرة قادرة على الاستمرار، ونقل الخبرات والحكمة عبر آليات تواصل منظمة تُمكِّن الأجدادَ من مشاركة تجاربهم الحياتية، وترسيخ القيم الأصيلة مثل الاحترام والتعاون، وصون الهوية الأسرية، إضافةً إلى تفعيل دور كبار المواطنين كركيزة اجتماعية، مما يعزّز شعورهم بالقيمة والاندماج. وبالتوازي مع مبادرة «سند وحكمة»، أطلقت مؤسسةُ التنمية الأسرية، حزمةً متكاملة من المبادرات النوعية، التي تركّز على تعزيز التلاحم الأسري، ورعاية كبار المواطنين، ودعم الاستقرار النفسي والاجتماعي، وتخفيف الأعباء عن الأسر الإماراتية في إطار «عام الأسرة».
ومن أبرز هذه المبادرات حملة «في أسرتنا بركة»، ومبادرة «بركتنا» ومبادرة «ماضي أهلنا». وتشكّل هذه المبادراتُ منظومةً متكاملة تُكمل «سند وحكمة» من حيث التركيز على الجانب العملي (رعاية صحية، ودعم مالي، وأنشطة تفاعلية) مع الجانب القيمي، لتعزّز الاستقرارَ الأسري في مواجهة تحديات الحياة الحديثة، ولتُرسخ نموذجاً إماراتياً فريداً في التنمية الأسرية يجمع بين الأصالة والحداثة.
إن مبادرة «سند وحكمة» ليست مجرد برنامج توعوي، بل رؤية استراتيجية شاملة تعيد تشكيلَ مفهوم الأسرة في عصر التحولات. وبإطلاق هذه المبادرة، تؤكد مؤسسة التنمية الأسرية أن بناءَ الوطن يبدأ من بناء الأسرة، وأن الحكمة ليست مجرد كلمات، بل سند يحمل الأجيالَ نحو مستقبل أكثر تماسكاً وازدهاراً، وأن دولة الإمارات تُرسّخ نموذجاً عالمياً في التنمية الأسرية الشاملة، يجعل من الأجداد شركاء حقيقيين في صناعة المستقبل.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


