جريدة الإتحاد - 5/7/2026 11:34:22 PM - GMT (+4 )
غالباً ما تشكو وكالات الاستخبارات من حُكم الرأي العام عليها بشكل غير عادل، إذ تصل إلى الناس إخفاقاتُها لا نجاحاتها. ورغم أن عملها يتضمن منع الكارثة قبل حدوثها، وهو الأهم، فإنه من الصعب على الجمهور تقييم حدث لم يقع. ويعاني هؤلاء الذين يسعون إلى بناء مستقبل أفضل من نفس المشكلة بقدر الأشخاص الذين يحاولون تجنّب مستقبل أسوأ. ففي مجال البحث العلمي، نرى التقنيات والصناعات القائمة، لكننا لا نرى تلك التي لم تُخترع أصلاً لأن التمويل العلمي الذي كان من المفترض أن يُنتجها قد توقف.
وعلى سبيل المثال الرسائل الإلكترونية الـ22 التي أُرسلت في أبريل الماضي من البيت الأبيض، والتي أنهت تعيين المستلم في المجلس الوطني للعلوم، وهو المجلس الذي يضع سياسات المؤسسة الوطنية للعلوم منذ عام 1950، دون إبداء أي سبب. وقد بررت إدارة ترامب ذلك بأن حكم المحكمة العليا عام 2021، المتعلق بقضاة براءات الاختراع الإداريين، وليس المجالس الاستشارية، أثار تساؤلات دستورية حول المعينين الذين لم يُصادق عليهم مجلس الشيوخ. ولا يعتبر ذلك تبريراً مقنعاً، حيث تأتي عمليات التسريح تلك في أعقاب تخفيضات هائلة في ميزانية المؤسسة الوطنية للعلوم وفقدان أكثر من 30% من موظفيها منذ يناير 2025. وهي أحدث خطوة في مسار الإدارة الأميركية لتقويض المؤسسة الوطنية للعلوم. وستكون التكلفة هائلة حتى وإن كانت غير مرئية. فقد قدرت دراسةٌ صادرة عام 2025 أن العائد الاجتماعي للبحث والتطوير العام غير الدفاعي يتراوح بين 140% و210%، وهو أعلى بكثير من معظم أوجه الإنفاق الفيدرالي الأخرى. وتعتبر مؤسسة العلوم الوطنية هي التي تحقق هذا العائد، ففي عام 1985 بدأت تمويل مشروع «شبكة المؤسسة الوطنية للعلوم»، التي شكلت العمود الفقري الذي ربط شبكة «أربانت» التابعة لوزارة الدفاع بالإنترنت العام، مما سرّع بشكل كبير انتشار الإنترنت التجاري. وفي عام 2009 نشر باحثون من جامعة بيركلي، بدعم من المؤسسة، دراسة بعنوان «فوق السحب»، التي تُعد من الأعمال التأسيسية للحوسبة السحابية.
وحتى الأسس التي تقوم عليها طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية قد وُضعت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي بتمويل من المؤسسة، حين كانت الشبكات العصبية مجالاً مهمشاً لا يحظى باهتمام علوم الحاسوب. ولم يكن من الممكن تمويل أي منها في البداية من قبل جهات خاصة أو جامعات، لأن العائدات كانت بعيدة وغير مضمونة. ودفع المواطنون الأميركيون تكلفتَها. ولا تنتج المؤسسة الوطنية للعلوم المعرفةَ العلميةَ فحسب، بل تُخرِّج العلماءَ أيضاً. فبرنامج زمالة الدراسات العليا البحثي، الذي يعمل منذ عام 1952، يُعد أطولَ استثمار حكومي مستمر في قوة العمل في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في الولايات المتحدة، وهو الممول الفيدرالي الأساسي لتدريب طلاب الدراسات العليا وما بعد الدكتوراه في العلوم الفيزيائية والرياضية وعلوم الحاسوب والهندسة والعلوم السياسية.
وتزداد أهمية ذلك حالياً، لأن مسارات تنمية المواهب الأخرى تقل. فعلى مدى 70 عاماً، كانت الولايات المتحدة وجهةً للمواهب العلمية مما عزز ازدهارها. وقد درستُ سبع سنوات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ولاحظتُ ذلك. فالمؤسسات الكبرى مثل هارفارد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وستانفورد، وبيركلي، هي التي تجذب الباحثين. ومع تعرضها للهجوم، وتزايد العداء تجاه المهاجرين، تراجع هذا الإقبال. وقد استفادت دول أخرى من هذا الإخفاق، فقد تلقى المجلس الأوروبي للبحوث 4807 طلبات للحصول على منحة بدء الدراسة لعام 2026، بزيادة قدرها 22.4% عن العام السابق، والذي شهد بدوره زيادةً بنسبة 13%. كما خصّص الاتحاد الأوروبي 500 مليون يورو (ما يعادل 587 مليون دولار) لمبادرة «اختر أوروبا للعلوم» التي تهدف إلى استقطاب الباحثين الأميركيين. واستقطبت منصة «اختر فرنسا للعلوم» الفرنسية 30 ألف زائر من 157 دولة في أسابيعها الأولى، أكثر من ثلثهم من الولايات المتحدة.وعندما تعجز الولايات المتحدة عن تدريب أفضل العلماء في العالم والاحتفاظ بهم، فإنها تخسر قطاعات بأكملها.
ففي العديد من الحالات يهاجر العلماء المتميزون إلى دول منافسة تستفيد منهم، بل وقد تهيمن على صناعات وتقنيات متقدمة كان يمكن أن تقودها الولايات المتحدة. كما أن إقالة المجلس الوطني للعلوم تقوض حماية المؤسسة من التدخل السياسي. فقد صُمم المجلس عام 1950 لعزل الرأي العلمي عن السياسة، لأن فرض السياسيين للحقائق العلمية غالباً ما تكون نتائجه كارثية. وكان على مؤسسي المؤسسة الوطنية للعلوم أن ينظروا إلى الاتحاد السوفييتي كمثال، حيث شُلت الزراعة السوفييتية لجيل كامل بسبب التزام الحكومة بنظريات عالم الأحياء تروفيم ليسينكو غير المنطقية. وقد نجح نموذج المؤسسة الوطنية للعلوم لثلاثة أجيال لأن الكونغرس أدرك أن الدعم الحكومي للعلوم، من دون رقابة صارمة، قد يأتي بنتائج عكسية.
وقد أُقيل المجلس قبل أقل من أسبوعين من موعد نشره دراسةً حول تنازل الولايات المتحدة عن تفوقها العلمي للصين. لا تُمانع الإدارة في الإنفاق، لكنها لا تنفق على المستقبل. وحتى في وزارة الدفاع (البنتاغون)، حيث يبدو أن الميزانية غير محدودة، يُعاني العلم من نقص التمويل. إذ يرتفع مشروع ميزانية الدفاع للسنة المالية 2027 بنسبة 44% مقارنةً بالعام السابق، إلا أن الانخفاضات شملت ميزانية البحث الأساسي بأكثر من 3 مليارات دولار، وتطوير التقنيات المتقدمة بملياري دولار، والبحث التطبيقي بـ1.9 مليار دولار. تُخصص هذه الأموال للأسلحة والقوات، لا لمشاريع مثل «أربانت» أو نظام تحديد المواقع العالمي.
ولا يزال بالإمكان تقليل تلك الخسائر. فقطاع رأس المال الاستثماري يُدرك قيمة البحث العلمي الفيدرالي أكثر من أي قطاع آخر، ويحظى العديد من أبرز أعضائه بثقة الرئيس. وقد رفض الكونغرس بالفعل تخفيضات حادة في ميزانية مؤسسة العلوم الوطنية والمعاهد الوطنية للصحة، ليُفاجأ بتباطؤ الإدارة في صرف التمويل الذي أُمرت بصرفه. وبإمكان الكونغرس، بل يجب عليه، إجبار الحكومة على إنفاق الأموال المخصصة للبحث العلمي. فالخسارة الحقيقية تكمن في ما لم يحدث رغم أنه كان ممكناً.
*أكاديمي بكلية «يل للإدارة»، ومؤلف كتاب «لا غنى عنه: متى يكون للقادة دورٌ حاسم».
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن».
إقرأ المزيد


