جريدة الإتحاد - 5/8/2026 12:54:30 AM - GMT (+4 )
تتفوق أشباه الموصلات، المعروفة اختصاراً بأسهم الرقائق الإلكترونية، على جميع القطاعات الأخرى في سوق الأسهم، ومنها شركات الحوسبة السحابية العملاقة التي ساهمت في تحقيق عوائد استثنائية بين عامي 2022 و2025. ويعكس هذا التباين صراعاً محموماً بين المستثمرين لاختيار الرابحين والخاسرين في ثورة الذكاء الاصطناعي. وخلال الأشهر الأخيرة، اندفع المستثمرون نحو الشركات التي تجني ثروات طائلة من هذه التكنولوجيا في الوقت الراهن، بينما نفد صبرهم تجاه الشركات التي تعول على مكاسب ضخمة في المستقبل.
ومع ذلك، يشير التاريخ إلى أن الخطر الأكبر قد يكمن في افتراض استمرار الشركات الرائدة اليوم في الصدارة. وقد حقق مؤشر «ستاندرد آند بورز» لأشباه الموصلات المختارة للصناعة، وهو مؤشر متساوي الأوزان يضع شركة «إنفيديا» العملاقة على قدم المساواة مع الشركات الأصغر بكثير، عائداً مذهلاً حق زيادة بنسبة 144% خلال العام الماضي، متفوقاً بفارق ساحق على مكاسب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» متساوي الأوزان البالغة 19%، وكذلك على مكاسب مجموعة شركات الحوسبة السحابية العملاقة البالغ 36%. ويُعد هذا أكبر تفوق تحققه أسهم الرقائق منذ انطلاق طفرة الذكاء الاصطناعي. وعلى أساس تراكمي منذ إطلاق «تشات جي بي تي» والحماس تجاه الذكاء الاصطناعي، أصبحت أسهم أشباه الموصلات على وشك اللحاق بشركات الحوسبة العملاقة لتصبح المستفيد الأكبر من تلك الطفرة.
وليس من المبالغة القول إن شركات الرقائق دعمت سوق الأسهم الأميركية، ففي عام 2026، كان مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» سيرتفع بنحو 2.2% فقط بدلاً من مستواه الحالي البالغ 6% لو جرى استبعاد مكاسب أسهم الرقائق. ولا تعتبر تلك المكاسب مجرد تكهنات، إذ تشير النتائج الأولية للموسم الحالي إلى أن القطاع يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق نمو بنسبة 83% في ربحية السهم مقارنة بالعام الماضي، مدفوعاً بالطلب المتواصل وقيود العرض الهيكلية التي تدفع الأسعار والأرباح إلى مستويات قياسية. وقد توسعت تلك المكاسب الآن من شركة «إنفيديا»، صانعة رقائق الذكاء الاصطناعي الأكثر طلباً وتطوراً، لتشمل رقائق أخرى أقل شهرة. التاريخ أثبت أن هوامش الربح المرتفعة للغاية في صناعة الرقائق تجذب عادة المزيد من الطاقة الإنتاجية إلى السوق، مما يؤدي في النهاية إلى فائض في المعروض، ويجعل هوامش الربح الصافية الحالية البالغة 44% تبدو غير مستدامة. فمن طبيعة صناعة الرقائق أن تتسع هوامش أرباحها ثم تنكمش.
وبعد الأزمة المالية العالمية، ساعد الانتشار الواسع للهواتف الذكية على توسع الهوامش لسنوات، قبل أن تتراجع لاحقاً. كما شهد القطاع طفرة كبيرة خلال السنوات الأولى من جائحة كورونا، مع انتقال حياة الجميع إلى الإنترنت، ثم انكمش مجدداً في عام 2022 عندما تراجع الطلب الاستباقي على الحواسيب وظهر فائض المعروض. وقد دخلت دورة اتساع الهوامش الحالية عامها الثالث بالفعل، لكن هل يمكن حقاً أن تكون مختلفة جذرياً عن التجارب السابقة؟ ويعتقد من يرون أن «هذه المرة مختلفة» بأن طفرة الذكاء الاصطناعي ليست دورة عادية، إذ تتنافس الشركات العملاقة في مجال الحوسبة السحابية، ويبدو الطلب قوياً حتى عام 2026 على الأقل. وغالباً ما يستغرق بناء مصانع الرقائق وتشغيلها من سنتين إلى ثلاث سنوات، كما أن تقنيات الذكاء الاصطناعي متطورة للغاية، وحتى أن مكوناته، التي تُعتبر «سلعاً أساسية» نظراً لدوراتها الاقتصادية المتقلبة، وعلى رأسها الذاكرة، لم تعد قابلة للاستبدال مقارنة بالدورات السابقة.
فالذاكرة عالية النطاق الترددي المستخدمة في وحدات معالجة الرسومات الخاصة بالذكاء الاصطناعي لا تُنتجها سوى ثلاث شركات حول العالم. إحداها، شركة «مايكرون تكنولوجي»، التي تتصدر قائمة أسهم الرقائق الأميركية. ومع ذلك، فقد شهدت أسهم شركات الرقائق الإلكترونية ارتفاعاً استثنائياً إلى درجة أن جانباً كبيراً من المكاسب المستقبلية أصبح محسوباً بالفعل في الأسعار الحالية.في النهاية، لا يشترط أن تكون متشائماً بشأن الذكاء الاصطناعي لتخشى أن يشهد هذا الارتفاع في أسهم الرقائق الإلكترونية توقفاً مؤقتاً، أو ما هو أسوأ.
فلكي تواصل شركات الرقائق من الفئتين الثانية والثالثة تحقيق مكاسب هائلة، كما حدث مع دمى «بيني بيبيز» في التسعينيات، أو كرات «ني دو» المطاطية مؤخراً، ستحتاج إلى استمرار الطلب عند تلك المستويات الاستثنائية على الأقل، واستمرار قيود العرض. وربما يكون الطلب قوياً بالفعل كما يُقال، لكن لا ينبغي المراهنة أبداً ضد قدرة الإبداع البشري على تلبيته عاجلاً أم آجلاً. *كاتب متخصص في أسواق المال والاقتصاد الأميركي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشين.
إقرأ المزيد


