جريدة الإتحاد - 5/30/2026 12:08:47 AM - GMT (+4 )
تشهد دولة الإمارات العربية المتحدة تسارعاً لافتاً في تطوير مهارات المعلمين في مجال الذكاء الاصطناعي، ضمن رؤية تستهدف بناء منظومة تعليمية قادرة على مواكبة التحولات التقنية العالمية، وإعداد أجيالٍ أكثر جاهزية لاقتصاد المستقبل. وخلال العامين الماضيين، توسعت المبادرات الحكومية والأكاديمية التي تستهدف تأهيل المعلمين وتدريبهم على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي داخل الصفوف الدراسية، بما يعكس الانتقال من مرحلة التجريب إلى مرحلة الدمج العملي للتكنولوجيا في العملية التعليمية.ويتمثّل أحدث الجهود في هذا السياق، في إطلاق وزارة التربية والتعليم برنامجاً وطنياً شاملاً تحت عنوان «تنمية مهارات المعلمين في الذكاء الاصطناعي»، يستهدف إحداث تحوّل جذري في الممارسات الصفية بالمدارس الحكومية، وتحويل المعلم من ملقنٍ إلى صانع تجارب تعلمٍ ذات معنى، عبر دمج أدوات التقنية الحديثة بكفاءة لتوفير الوقت والجهد وتوجيه الطاقات نحو مصلحة الطالب.
ويتألف البرنامج من 8 وحدات تعليمية تفاعلية ومكثفة (بمتوسط 60 دقيقة للوحدة) تغطي مجالات التخطيط، والتقييم، والتعلم القائم على المشاريع، والاستخدام الأخلاقي للتقنية، إلى جانب تحليل البيانات لدعم القرارات التدريسية وتوفير تغذيةٍ راجعةٍ مخصصة.
ويتميّز البرنامج باعتماده على نظام «التعلم الذاتي والمرن» ليلائم جداول المعلمين بمختلف تخصصاتهم ومراحلهم الدراسية، ومدعوماً بالمساعد الذكي والمبتكر «ماهر» كشريكٍ تعليميٍ وتطبيقيٍ عند الطلب لتوليد الأفكار وتطوير خطط الدروس، ليتوَّج الخريجون في النهاية بنيل شهادةٍ واعتمادٍ رسميٍ بمسمى «معلم مُمكَّن بالذكاء الاصطناعي» كتربويين جاهزين للمستقبل.
وعلاوة على ذلك، يبرز برنامج «آفاق» الذي أطلقته جهات تعليمية خلال عام 2025، بهدف تدريب مئات المعلمين على استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إعداد المحتوى الدراسي، وتصميم الأنشطة التعليمية، وتطوير أساليب التقييم الحديثة. ويركز البرنامج على تمكين المعلمين من الاستفادة من التقنيات الذكية بطريقةٍ آمنةٍ وفعالةٍ، بما يعزّز جودة التعليم ويرفع كفاءة الأداء داخل المدارس.
كما اتجهت الإمارات إلى توسيع نطاق التدريب ليشمل إعداد معلمين متخصصين في تدريس مناهج الذكاء الاصطناعي نفسها، بعد اعتماد خطط لإدخال هذه المناهج في المدارس الحكومية. وأشارت تقارير إعلامية إلى تدريب أكثر من 1000 معلم ضمن برامج متخصصة تهدف إلى بناء كوادر تعليمية قادرة على قيادة التحول الرقمي داخل القطاع التربوي، خصوصاً مع التوسع في استخدام الأدوات الذكية داخل البيئة التعليمية.
وقد أطلقت مؤسسات تعليمية ومراكز متخصّصة في إمارة أبوظبي مبادرات مهنية لتطوير قدرات المعلمين في مجالات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتحليلات التعليمية، بالتعاون مع شركات تقنية عالمية ومراكز بحثية متقدمة. وركّزت هذه المبادرات على تزويد المعلمين بمهارات عملية تساعدهم على توظيف التكنولوجيا في تحسين تجربة التعلم، ومتابعة أداء الطلبة بصورة أكثر دقة وكفاءة.
ولم تقتصر الجهود على المدارس الحكومية فقط، بل امتّدت إلى الجامعات والمؤسسات الأكاديمية التي بدأت منذ عام 2024 في تقديم شهادات مهنية وبرامج تدريبية متخصّصة في «التدريس المعزز بالذكاء الاصطناعي». وهدفت هذه البرامج إلى تأهيل أعضاء الهيئات التدريسية لفهم التحولات الجديدة في التعليم الرقمي، والتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها كجزء من البيئة التعليمية الحديثة، وليس مجرد أدوات تقنية مساندة.
وفي السياق ذاته، وجهت القيادات التعليمية في دبي خلال عام 2024 بإطلاق مبادرات تستهدف تأهيل المعلمين على استخدام الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، ضمن خطط تطوير المدارس ورفع جودة المخرجات التعليمية. وشملت هذه البرامج ورش عمل تخصصية ودورات تدريبية مكثّفة ركزت على تطوير مهارات التفكير الرقمي وأساليب التدريس الحديثة.
وتعود البدايات العملية لهذه الجهود إلى عام 2023، حين بدأت الجهات الحكومية والمؤسسات الرقمية في الدولة إطلاق برامج ومخيمات تدريبية ركزت على المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي، مستهدفة الطلبة والمعلمين والعاملين في القطاع التعليمي. وأسهمت تلك المبادرات المبكرة في رفع الوعي بأهمية الذكاء الاصطناعي ودوره المتوقع في مستقبل التعليم.
وفي المحصلة، يمكن القول إنه مع استمرار تسارع الابتكارات التقنية عالمياً، تبدو دولة الإمارات ماضية في تعزيز حضور الذكاء الاصطناعي داخل قطاع التعليم، عبر بناء معلم رقمي يمتلك مهارات المستقبل، وقادر على قيادة بيئة تعليمية أكثر تطوراً ومرونة خلال السنوات المقبلة.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


