جريدة الإتحاد - 5/30/2026 12:29:59 AM - GMT (+4 )
أدى تفوق «الجمهوريين» في معارك إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في الدورة الحالية إلى إعادة النظر في بدائل للدوائر الانتخابية التقليدية ذات العضو الواحد في مجلس النواب الأميركي. وقد يوقف نظام التمثيل النسبي التلاعب بالدوائر الانتخابية، وما يلحقه من ضرر بالديمقراطية التمثيلية، بشكل جذري. لكن ذلك يتطلب تطبيقاً دقيقاً. فأي نهج خاطئ قد يخلق مشاكل جديدة لا تقل سوءاً عن المشكلة التي يسعى لحلها.
ويُعد التلاعب بالدوائر الانتخابية مشكلة جسيمة في الجمهورية الديمقراطية. ولأن القوانين تُسن من ممثلي الشعب، وليس من الشعب نفسه، فإن مجرد امتلاك حق التصويت لا يكفي. إذ يجب أن تُترجم تلك الأصوات أيضاً إلى أغلبية تشريعية لتحقيق رغبات الشعب.
ويؤدي التلاعب بالدوائر الانتخابية إلى قطع تلك العلاقة، فالتلاعب الناجح، ليس بمعنى أخلاقي، بل بطريقة من يتلاعبون بالدوائر، يمنح الحزب الذي رسم الحدود مقاعد أكثر مما يستحقه بناء على حصته من الأصوات. وإذا تم تنفيذ المهمة بنجاح، يُمكن تحقيق أغلبية ساحقة من هوامش ضئيلة من الأصوات.
هذا ما فعله الجمهوريون بالدوائر الانتخابية. ولا أحد يشك في أن الأغلبية الشعبية في ولايات مثل تكساس وفلوريدا ستختار أغلبية من «الجمهوريين» في ظل خريطة عادلة. ومع ذلك، ينبغي أن يكون «الديمقراطيون» قادرين على انتخاب ما بين 40 و45% من هؤلاء الأعضاء، لأن هذه هي حصتهم المعتادة من الأصوات على مستوى الولاية. لكن خريطة فلوريدا الجديدة تضم 24 دائرة انتخابية، أي 86%، كان يمكن أن يفوز بها دونالد ترامب في عام 2024، مقابل أربع دوائر لكامالا هاريس.
ويمارس «الديمقراطيون» هذه الأساليب أيضاً. فقد حصل ترامب على 38% من أصوات سكان كاليفورنيا في انتخابات 2024. وتضم الولاية 52 مقعداً في مجلس النواب، لذا، مع وجود دوائر انتخابية عادلة، بفترض أن ينتخب «الجمهوريون» نحو 20 عضواً. لكن حاكم كاليفورنيا «الديمقراطي»، غافين نيوسوم، الذي أطلق عليه «الجمهوريون» لقب «نيوسوماندر»، لم يُنشئ سوى أربعة مقاعد يُمكن توقع فوز الحزب «الجمهوري» بها، إضافة إلى مقعدين آخرين لديهم فيهما فرصة عادلة.
ولن يكون أي نظام قائم على الدوائر ذات العضو الواحد نظاماً نسبياً بشكل كامل. وحتى في البيئة السياسية المنقسمة بشدة اليوم، يمكن للنواب ذوي الشعبية أن يتفوقوا على أداء حزبهم. وغالباً ما يفوز حزب واحد بمعظم الانتخابات المتقاربة في سنة معينة. وتعد تلك الاضطرابات أمراً طبيعياً، لكنها لم تصل يوماً إلى درجة من الوضوح والانحياز تجعل النظام التقليدي يفقد مصداقيته في نظر الناخبين. وقد يكون هذا الوضع في طريقه للتغير، مع دخول الأحزاب في سباق محبط نحو الأسوأ في التلاعب بالدوائر الانتخابية.
أما نظام التمثيل النسبي فيحد من تلك الاضطرابات عبر ضمان أن تكون نسبة المقاعد التي يحصل عليها الحزب قريبة من نسبة الأصوات التي يحصل عليها. فإذا حصل «الديمقراطيون» على 60% من أصوات ولاية ما، يحصلون على 60% من مقاعدها.
وهذا صحيح من الناحية النظرية، لكنه أكثر تعقيداً عملياً حسب طريقة الانتخابات وعدد المقاعد. فإذا كانت الولاية تنتخب ثلاثة نواب فقط، فإن نتيجة 50-50 في الأصوات قد تمنح حزباً مقعدين والآخر مقعداً واحداً. ومع ذلك، فإن هذا الخلل لا ينحاز لأي من الحزبين، بل هو نتيجة طبيعية لعدم الدقة الموجودة في أنظمة الدوائر الانتخابية ذات العضو الواحد، ولكن في نظام التمثيل النسبي.
ويُعد النظام الانتخابي السويسري الأسهل تطبيقاً في الولايات المتحدة الأميركية. إذ تمتلك سويسرا، الدولة الواقعة في جبال الألب، برلماناً اتحادياً ذا مجلسين، على غرار النظام الأميركي. وينتخب كل كانتون سويسري، وهو ما يُعادل ولاية أميركية، أعضاء مجلس النواب بنظام التمثيل النسبي، ويُحدد العدد الإجمالي لممثلي الكانتون بناء على عدد السكان. وتُقدم الأحزاب قوائم بأسماء مرشحيها حسب الأفضلية، ويحصل كل حزب على عدد من المقاعد يتناسب مع نسبة الأصوات التي تحصدها قائمته: ففي كانتون من عشرة مقاعد، يحصل الحزب الحائز على 30% من الأصوات على مقاعده الثلاثة الأولى.
أما من يعارضون فكرة اختيار الأحزاب لقوائم مرشحين، يفضلون النظام الفنلندي، حيث يُنتخب أعضاء البرلمان الأحادي أيضاً بنظام التمثيل النسبي، لكن التصويت يتم لأفراد وليس لقوائم حزبية. ويتم جمع أصوات جميع المرشحين الذين ينتمون لحزب معين لتحديد عدد المقاعد التي يحصل عليها، ثم يفوز المرشحون الأعلى أصواتاً داخل الحزب.
وقد يتردد بعض الأميركيين في التخلي عن الدوائر الانتخابية ذات العضو الواحد لاعتقادهم أن ربطها بدائرة انتخابية جغرافية محددة يعزز مساءلة الناخبين. ولدى اسكتلندا واليابان وألمانيا ونيوزيلندا أنظمة تجمع بين المقاعد ذات العضو الواحد والتصويت الحزبي المنفصل، مما يوفر قدراً من التمثيل النسبي. وقد يتطلب تطبيق نسخة أميركية توسيع مجلس النواب. لكن حتى زيادة عدد مقاعد المجلس بنسبة 50% ستؤدي إلى إنشاء هيئة تشريعية بحجم مجلس العموم البريطاني أو البوندستاغ الألماني تقريباً.
ويمكن تبني أي من هذه النماذج عبر تشريع يصدره الكونجرس. ويتطلب أي تغيير جذري بعض الوقت للتأقلم معه. لكن البديل يبدو إما فوضى عارمة من التلاعب الحزبي بالدوائر الانتخابية، أو محاولة يائسة لوضع مبادئ توجيهية محايدة سياسياً لإعادة رسم الحدود، إلا أنه يمكن التلاعب بأي نظام بشري من جانب رسامي الخرائط الماهرين.وكشفت أحداث العام الماضي عن تناقض جوهري بين مبدأ «صوت واحد لكل شخص» ونظام انتخابي يُسيطر عليه السياسيون ويُحول تلك الأصوات إلى مقاعد. وقد استطاع مؤسسو أميركا التوصل إلى تسويات للصالح العام عند صياغة الدستور. وهناك آمال بأن يحذو الحزبان الرئيسان حذوهما الآن، بدلاً من المخاطرة بزوالهما.
*زميل بارز في مركز الأخلاقيات والسياسة العامة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


