«متمردو» الحزب «الديمقراطي»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 من المثير للاهتمام مراقبة كيف تستجيب بعض عناصر الحزب «الديمقراطي» لحركات التمرد. فبعد فوز السيناتور بيرني ساندرز في عدد من الجولات التمهيدية المبكرة في سباق ترشيح الرئاسة لعام 2020، انتاب المؤسسة «الديمقراطية» حالة من الذعر. ففي انتخابات 2016، كاد ساندرز يهزم مرشحتهم المفضلة، هيلاري كلينتون، قبل أن يتدخلوا في الانتخابات بتزويد حملة كلينتون بتمويل مشكوك فيه وحشد أصوات مئات ممن أُطلق عليهم اسم «المندوبين الكبار» لمنح كلينتون انطباعاً بالتقدم في الانتخابات التمهيدية.
ورغم تصدي المؤسسة الديمقراطية لتمرده عام 2016، عاد ساندرز في 2020 ليتقدم على مرشحها المفضل، نائب الرئيس السابق جو بايدن، في الانتخابات التمهيدية. لكن حملة إعلانية تلفزيونية مناهضة له انطلقت، وكانت تزعم أن «ساندرز متقدم في السن»، وأن «آراءه الاشتراكية متطرفة للغاية»، وأن وجوده على رأس قائمة المرشحين «الديمقراطيين» سيؤدي إلى خسارة الحزب في جميع الانتخابات على مستوى البلاد.
ولم ينبع تأثير تلك الإعلانات من قدرتها على إقناع الناخبين بل بكونها في الواقع محور خطاب الحزب. فقد أخذت البرامج الحوارية التلفزيونية ومقالات الصحف تكرر الأفكار نفسها، وهي أن ساندرز مُسن ومتشدد وسيكلف «الديمقراطيين» خسارة الانتخابات، حتى تحولت تلك المزاعم إلى خطاب سياسي سائد. والمفارقة أن استطلاعات الرأي واصلت إظهار تقدم ساندرز على بايدن في الانتخابات التمهيدية، كما منحته فرصاً أفضل من دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية العامة.
وتنبع أهمية تذكر تلك الأحداث من أن هناك سيناريو مماثلاً يتكرر حالياً في رد فعل المؤسسة الديمقراطية على انتخابات التجديد النصفي للعام الجاري. فبعد خسارة مرشحيهم المفضلين في عدد من انتخابات رئاسة البلديات في المدن الكبرى، وبعض الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ، وأكثر من 12 سباقاً انتخابياً لمجلس النواب، عاد الحزب إلى حالة الذعر. وكعادته، اختار إطلاق ادعاءات هستيرية تهدف إلى تخويف الناخبين.
ونظراً لأن العديد من المتمردين الفائزين كانوا ينتمون لمنظمة «الاشتراكيون الديمقراطيون في أميركا» أو حظوا بتأييد السيناتور ساندرز، فقد كانت لغة الهجوم التي استخدمها المسؤولون البارزون في الحزب «الديمقراطي» قاسية للغاية. إذ يُوصف المتمردون باستمرار بأنهم «متشددون» أو«يساريون متطرفون» أو«مُثيرو شغب يكرهون أميركا». ويُتهمون بأنهم«يحتجزون الحزب رهينة لآرائهم الاشتراكية»، وأن انتخابهم لن يؤدي إلا إلى «إحداث فوضى في الكونجرس»، بل إن أحد أعضاء الكونجرس ذهب إلى حد وصف المتمردين بأنهم «سرطان آخذ في الانتشار» يجب استئصاله.
وهناك عدة ملاحظات جديرة بالذكر في هذه المرحلة. فبعد مواجهة مماثلة بين المتمردين والعناصر المحورية في الحزب في الانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب «الديمقراطي» عام 1988، قال جيسي جاكسون في عبارته الشهيرة «لا يمكن التحليق إلا بجناحين»، محذراً الليبراليين والمعتدلين على حد سواء من ضرورة إيجاد سُبل للعمل معاً، لأن الفوز يتطلب تعاوناً بينهما. ولم تفعل حملة كلينتون ذلك في عام 2016، ولكن عندما حان وقت كتابة برنامج الحزب «الديمقراطي» لعام 2020، شكلتْ حملة بايدن بذكاء فرقاً مع فريق ساندرز، وكتبت وثيقة مشتركة ساهمت في رأب الصدع بين جناحي الحزب.

وثانيًا، ينبغي الإشارة إلى أن القاسم المشترك بين الحملة الإعلانية ضد ساندرز عام 2020، والهجوم الحالي على مرشحي «التمرد» في انتخابات التجديد النصفي، هو تركيزهما على إسرائيل، دون ذكرها صراحة. ففي عام 2020، كان من اللافت مشاهدة إعلانات تلفزيونية تهاجم ساندرز بوصفه متقدماً في السن أو متشدداً، ثم يظهر في أسفل كل إعلان سطر يقول: «مدفوع من الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل». وبالمثل، فإن نحو 50 مليون دولار أُنفقت العام الحالي لهزيمة المرشحين المتمردين جاءت من جماعات تدعمها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك)، وهي أبرز جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل. ومع ذلك، لم تهاجم أي من هذه الإعلانات المرشحين بسبب مواقفهم المؤيدة للحقوق الفلسطينية أو معارضتهم استمرار المساعدات العسكرية لإسرائيل بعد حرب غزة. لكن من الواضح أن السبب الحقيقي وراء استثمار«إيباك» ومنظمة «الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل» هذه الأموال الضخمة في إسقاط هؤلاء المرشحين هو مواقفهم من إسرائيل، حتى وإن لم يُذكر ذلك صراحة.
وهناك تساؤل يغفل عنه أصحاب النفوذ وهو: «لماذا يحقق المتمردون الانتصار؟» ورغم الإجابات السطحية من قبيل «بسبب قلق المدن وسذاجة الشباب»، أو الإجابة الأقل جدية «بسبب كراهية إسرائيل»، إلا أن المشكلة الحقيقية التي لا يمكن تجاهلها هي أن الناخبين، لاسيما أنصار «الديمقراطيين»، لا يرون أن الوضع الراهن يخدم مصالحهم، ويشعرون بأن معارضة ترامب لا تكفي، كما أن مجرد ملاحظة أن «الأسعار باهظة» ليست الحل، إذ إنهم يريدون معالجة تلك المشاكل ببرامج فعّالة. ومن العبث الاكتفاء بترديد شعار«القدرة على تحمل التكاليف»، الذي أطلقه عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، دون تبني برنامجه المفصل لجعل الحياة ميسورة التكلفة. وإذا كان ذلك يعني فرض ضرائب على أصحاب المليارات، وتحديد سقف للإيجارات، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتوفير رعاية نهارية شاملة، والاعتراف بالرعاية الصحية كحق وليس امتيازاً، وإذا أراد أصحاب النفوذ تسمية هذا بالاشتراكية، فلا بأس.وأخيراً، يجب الانتباه أيضاً إلى أن الآثار الجانبية لهذا الجهد لتشويه سمعة الفائزين المتمردين لا تؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين التيارات الأيديولوجية للحزب ومنح «الجمهوريين» أسلحة لاستخدامها ضد «الديمقراطيين» في الانتخابات العامة.
 رئيس المعهد العربي الأميركي- واشنطن.



إقرأ المزيد