جريدة الإتحاد - 7/4/2026 11:26:24 PM - GMT (+4 )
يشهد أنصار اقتصاد السوق الحرة أياماً عصيبة حالياً، إذ إن أحد مجالات التوافق القليلة بين الحزبين، «الديمقراطي» و«الجمهوري»، يدعم فكرة كارثية، فكلاهما، نائب الرئيس جي دي فانس والسيناتور بيرني ساندرز، يريدان من الحكومة الفيدرالية أن تستحوذ على حصة علنية ومباشرة في شركات الذكاء الاصطناعي.
ويرغب الطرفان في إنشاء صندوق ثروة سيادي يتكون من أسهم شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يبدو منطقياً للوهلة الأولى، فالقطاع هو الأسرع نمواً في الاقتصاد، وسيجلب ثروات طائلة للبعض. فلماذا لا تُمنح الحكومة حصة منه، لتعيد توزيعها على الأكثر احتياجاً؟
إلا أن مشروع قانون ساندرز أكثر تطرفاً، فهو يقترح الاستحواذ على 50% من أسهم شركات الذكاء الاصطناعي ووضع ملكية الحكومة في صندوق سيادي. أما اقتراح فانس فهو معتدل وغامض نسبياً، إذ يتضمن شراء الحكومة لبعض أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، وربما وضعها في صندوق سيادي، بما يتوافق مع اهتمام الرئيس دونالد ترامب. وبغض النظر عن المكاسب الاشتراكية الأخيرة في مناطق حضرية، يُرجح تطبيق خطة شبيهة بخطة فانس، حيث قد تقتصر ملكية الحكومة الأميركية على أقل من 50% من الأسهم، أو ربما يُطلب منها دفع أسعار السوق، أو ربما تستولي على الأسهم بدلاً من الضرائب. ولا تبدو فكرة سيئة أيضاً، فعلى الأغلب سيُفاقم الذكاء الاصطناعي تفاوت الثروة في العقود القادمة، عبر إنتاج المزيد من أمثال إيلون ماسك، وتحويل مجمعات المكاتب المليئة بالموظفين إلى مدن مهجورة.
وإذا امتلكت الحكومة حصة واضحة في تلك الشركات، فبإمكانها استخدام الأموال لتمويل البرامج الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة. لكن مع تبني نظرة واقعية، سنجد أن الحكومة الأميركية تستفيد بالفعل من شركات الذكاء الاصطناعي، إذ تجمع الضرائب منها ومن دخل العاملين فيها، فضلاً عن أرباح رأس المال للمساهمين. إضافة إلى أنه إذا حققت شركات الذكاء الاصطناعي ما تعد به من زيادة في الإنتاجية في مختلف قطاعات الاقتصاد، فسيؤدي ذلك إلى زيادة إنتاجية الشركات في القطاعات الأخرى، مما سيزيد الإيرادات الحكومية. أي أن الحكومة الأميركية تستثمر بالفعل في الذكاء الاصطناعي نظراً لارتباطه الوثيق بنمو الناتج المحلي الإجمالي. ويُضاعف صندوق الثروة السيادي المستثمر في الذكاء الاصطناعي هذا الرهان، بل ويزيده، نظراً لعجز الميزانية. وبذلك، ستبدو الولايات المتحدة وكأنها تراهن بأموال مقترضة.
ولا تمثل تلك الخطة استراتيجية استثمار ذكية ولا إدارة مخاطر رشيدة. فإذا راهنت الحكومة على قطاع، فينبغي أن يكون مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي، مثل مراكز الاتصال أو المزارع العضوية. صحيح أن صندوق الثروة السيادي النرويجي حقق نجاحاً كبيراً وعوائد مجزية لمواطنيه، لكن النرويج تحقق فائضاً في الميزانية وتمول صندوقها من عائدات الموارد الطبيعية المملوكة للدولة، لا من الديون.
ويفترض النقاش حول إنشاء صندوق سيادي أن «استثمار» الحكومة لن يؤثر على نتائج شركات الذكاء الاصطناعي نفسها، لكن الحكومة ستكون جهة فاعلة رئيسية تُساهم في وضع السياسات التنظيمية، وليست مستثمراً سلبياً، مما سيؤدي إلى تقليل قدرة قطاع الذكاء الاصطناعي على المنافسة، لأن حجم الاستثمار الكبير يُشوه سعر رأس المال، وأيضاً لأن الحكومة ستُشارك في اختيار الشركات الرابحة، وهو ما سيجعل الشركات الناشئة الجديدة في موقف غير متكافيء حيث ستواجه تكاليف رأسمالية أعلى وبيئة تنظيمية أكثر تعقيداً. ووفقاً للتجارب التاريخية، لم يُحقق نظام اختيار الحكومة للشركات الرابحة نجاحاً لافتاً.
وتُهدد تلك التضاربات بتقليل العوائد المتوقعة وإضعاف قدرة قطاع الذكاء الاصطناعي الأميركي على المنافسة. ولو كانت أسواق رأس المال الأميركية غير كافية لتمويل الذكاء الاصطناعي، لكان من الممكن تبرير الدعم الحكومي. لكنها ليست كذلك، فهي لا تزال الأكبر والأكثر سيولة في العالم، كما أنها بارعة في تمويل الابتكار.ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي ليس محفوفاً بالمخاطر، بل من شبه المؤكد أنه سيُؤدي إلى مزيد من التقلبات في الأسواق والاقتصاد، مما سيُحدث اضطرابات كبيرة في سوق العمل، بل قد ينقلب إلى كارثة ويقضي على الجميع. وفي ظل تلك المتغيرات المجهولة، فإن التمسك بفكرة إنشاء صندوق ثروة سيادي قائم على الذكاء الاصطناعي لا تعتبر مجرد رهان خطير، بل هو سياسة عامة غير صحيحة.
*كاتبة متخصصة في الشؤون الاقتصادية، وزميلة بارزة بمعهد مانهاتن.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


