جريدة الإتحاد - 7/4/2026 11:32:14 PM - GMT (+4 )
طلب رئيس الجمهورية اللبنانية من اللبنانيين أن لا يصغوا لدعوات الفتنة، وأن لا يتعرضوا للجيش. وهاتان مسألتان خطيرتان بالفعل في ظروف لبنان الحالية بالذات. فالحرب المستمرة بين إسرائيل و«حزب الله» منذ شهور تسببت في تهجير ما يزيد على المليون من ديارهم في جنوب لبنان ومن ضاحية بيروت الجنوبية. وقد ازدحمت بالمهجَّرين شوارعُ المدن اللبنانية، وأحدث ذلك توتراتٍ وتذمرات بين السكان، وبخاصةٍ بين الذين ينحدرون من طوائف مختلفة. ولبنان مشهورٌ بالحساسيات الطائفية، والتي غالباً ما تزداد في ظروف الحروب. وقد كان نبيه بري، رئيس مجلس النواب والزعيم الشيعي المعروف، سبّاقاً إلى التحذير من الفتنة. وهو يقصد بذلك بني قومه الذين يتعرضون لضيقٍ شديد وقد فقدوا مساكنَهم وأمنهم وأولادهم، ولذا فقد تصاعد لديهم السخطُ على اللبنانيين الذين لم يُصابوا ويعتبرون أنهم لم يُظهروا تضامناً كافياً مع ما أصاب الجنوبيين! بري يقول لبني قومه، إنه لا مبرر للاستثارة الدائمة والتطلع إلى الآخرين. وعلى ذلك وافقه رئيسُ الجمهورية وأثنى عليه.
لكن لماذا يحذّر رئيس الجمهورية من المساس بسمعة الجيش؟ يعرف كل اللبنانيين أن الجيش اللبناني يتمتع بحرمةٍ قصوى، وأنه عندما تتحدث الحكومةُ في عهد رئيس الجمهورية الحالي عن حصر السلاح بيد الدولة، فالمعني بذلك أساساً هو الجيش نفسه. بيد أنّ الحكومة، وبعض خصومها أيضاً، يشكون من قصور قُدُرات الجيش طوال عقود. والآن جاء أوان الاستحقاق فبمقتضى الاتفاق المبرم بين لبنان وإسرائيل في العاصمة الأميركية واشنطن، الأسبوع الماضي، ينبغي أن يحلَّ الجيشُ اللبناني محلَّ الإسرائيليين عندما ينسحبوا بالتدريج من جنوب لبنان خلال الشهور القادمة بعد وقف إطلاق النار الذي لم يثبت بعد. كما يشكو فريق من اللبنانيين من أن الجيش لم يقم بعد بواجبه على الوجه الأكمل في المناطق التي كان يتمركز فيها بجنوب لبنان. ويشكو آخرون من أن الجيش لا يتبع تعليمات الحكومة، بل تعليمات رئيس الجمهورية وحسْب. لكن على أي حال فإنّ الشكاوى ليست عالية المستوى، ولا تؤثر في سلوك الجيش ولا في استراتيجياته. ويكون عليه بالفعل أن يثبت وجودَه لكي يحلّ محلّ الإسرائيليين في الجنوب.
إنّ الخلاف ليس على تجنّب الفتنة أو على عدم المساس بالجيش، بل الخلاف بين الدولة اللبنانية وخصومها على اتفاق واشنطن وما اشتمل عليه من ترتيبات للانسحاب التدريجي. الفريق الشيعي معظمه ضد الاتفاق، وبري نفسه ضد الاتفاق متعللاً بسبب ما قال إنه «شروطه قاسية» اشتمل عليها! أما «حزب الله» فيعارض الاتفاق لأسباب أخرى تتلخص في التزامه تجاه إيران التي تريد أن يدخل الوضع اللبناني في الاتفاق بين واشنطن وطهران! وما عاد الخلاف سياسياً أو إعلامياً، بل صار اتهامات معلنة ضد الحكومة من جانب الحزب المسلح وأنصاره.
وليس من الواضح حتى الآن كيف يكون بوسع لبنان الإفادة من التطور الجديد في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، وهو الأمر الذي لم يحصل بعد. إلا أن رئيس الجمهورية يرد بأنه عقد اتفاقاً للانسحاب الإسرائيلي، ولم يخضع لإسرائيل ولا لأميركا. والواقع أنه لم يجد سبيلاً آخر لتحرير الأرض غير التفاوض، وإن لم يكن المنتقدون يريدون هذا المخرج فليعرضوا سبيلاً آخر. أما الحل الإيراني فهو وهمٌ أدى لاحتلال إسرائيل المزيدَ من الأراضي اللبنانية.
وهكذا يعود الانقسام وتظهر الهشاشة، لكن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة هذه المرة أكثر إصراراً، والرأي العام معهما في ذلك. والرهان أن عناصر الحزب المسلحين ما عادوا يستطيعون القيام بما قاموا به عامي 2008 و2011 من اختراقٍ لأمن العاصمة اللبنانية واستقرارها.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية
إقرأ المزيد


