الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً للذكاء البشري
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 إن التطور المتسارع الذي يشهده عالم الذكاء الاصطناعي يفرض على الجميع، بما فيه الدول والشركات والنُخب والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، ضرورةَ التوقف عند بعض السلبيات والمخاطر والتحديات، التي يمكن أن تنتج عن الاعتماد المفرط على مخرجات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتزايدة، خصوصاً فيما يتعلق بتراجع الاعتماد على استخدام العقل البشري وقدراته الفكرية والإبداعية في كثير من الأعمال والأنشطة والمهام على اختلاف طبيعتها. 
لقد اعتاد الإنسان، عبر قرون طويلة من تاريخه وتاريخ حضارته، على مواجهة المشكلات وتحليل المعطيات واستنباط الحلول من خلال إعمال التفكير واستخدام التجربة ومحاولة الاستنتاج بنفسه. لكن على خلاف ذلك، فقد أصبح كثير من الأفراد في وقتنا الحالي يلجؤون مباشرةً إلى استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي بغيةَ الحصول على الإجابات والحلول الجاهزة، حول كثير من المشكلات التي تواجههم، سواء في الدراسة أو في العمل، وحتى في بعض المسائل البسيطة التي لا تتطلب تفكيراً عميقاً أو جهداً ذهنياً كبيراً. ومع مرور الوقت وبالاستمرار في هذا السلوك، فإنه قد يؤدي إلى إضعاف بعض القدرات الذهنية والمهارات الفكرية المهمة للإنسان ولاستمرار حضارته، مثل التحليل والاستنتاج والنقد والتقييم. 
ومن أبرز المخاوف المرتبطة بزيادة الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي تنامي ظاهرة الاتكالية الفكرية، حيث يعتاد المستخدمُ على حالة من الكسل الذهني والعطالة الفكرية، جراء تعوُّده تلقي المعلومات السهلة والإجابات الجاهزة، حتى دون مناقشتها وتمحيصها والتحقق منها أو وضعها تحت أضواء التفكير النقدي. إن العقل البشري شبيه إلى حد ما بأي عضلة في الجسم، لاسيما لجهة احتياجها الدائم إلى التدريب المستمر للحفاظ على قوتها والاحتفاظ بكفاءتها، بينما يؤدي التوقف عن استخدامها لفترات طويلة إلى تراجع قدراتها تدريجياً قبل أن تصاب بالضمور ثم الموت في نهاية في المطاف. 
ولذلك السبب نجد أن عدداً مهماً من المختصين في هذا المجال ما فتؤوا يحذّرون من أن الاعتماد المفرط على البرمجيات والتقنيات الذكية من شأنه أن يؤثر سلباً في الأجيال الجديدة التي تنشأ في بيئة يزداد اعتمادُها بشكل كبير على الحلول الفورية والجاهزة، والتي تَعفي الأفراد من بذل أي عمل فكري أو جهد ذهني. 
 وإلى ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي، وعلى الرغم من قدراته المتقدمة، لا يمتلك الخبرةَ الإنسانيةَ الكاملةَ ولا الفهمَ العاطفي والاجتماعي، الذي يتمتع به الإنسان، وهو ما يجعل الحلولَ التي يتم وضعها بالاعتماد على هذه التقنيات الذكية- أحيانا- حلولاً ناقصة وجزئية إلى حد كبير. وكما نعلم فإن الذكاء الاصطناعي يعتمد، في تقديم مخرجاته والحلول المطلوبة منه، على البيانات التي تستخرجها خوارزمياته من شبكة الإنترنت. ولذلك فإنه قد يخطئ أو يقدم معلوماتٍ غير دقيقة أو غير مناسبة للسياق المطلوب. ومن هنا تبرز أهمية بقاء الإنسان في موقع المُراجع المتيقظ وصاحب القرار النهائي، بدلاً من تحويل هذه الأدوات الاصطناعية إلى بديل كامل عن التفكير البشري نفسه.
 ويتجلى جانبٌ مِن المشكلة أيضاً في بعض المؤسسات التعليمية، حيث أصبح الطلابُ يعتمدون بشكل شبه كامل على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في أداء الواجبات المدرسية وفي إعداد البحوث الأكاديمية، الأمر الذي يمكن أن يَحرمهم مِن فرصةِ تنميةِ مهاراتِ البحثِ والتحليلِ والكتابة التحريرية. 
وكما نعلم فإن الهدف من العملية التعليمية لا يقتصر على الوصول إلى الإجابة الصحيحة فقط، بل يشمل كذلك بناءَ الشخصية العلمية وتعزيزَ القدرة على التفكير المستقل. 
ومع ذلك، فإن الحل لا يكمُن في رفض الذكاء الاصطناعي أو التخوف منه بشكل مبالغ فيه، بل يكمُن في استخدامه بصورة متوازنة ومسؤولة. فهذه التقنيات ينبغي أن تكون أداةً مساعِدةً تعزز قدرات الإنسان ولا تستبدلها بالركون إلى الاعتماد بشكل كامل على الآلة وبرمجياتها الذكية.. فهل يتغير الوضعُ الحالي في المستقبل المنظور؟! 
*كاتب كويتي



إقرأ المزيد