جريدة الإتحاد - 7/18/2026 9:40:04 PM - GMT (+4 )
عقب الفوز الصعب الذي انتزعوه في اللحظات الأخيرة من المباراة (إذ كانوا متأخرين بهدف لصفر حتى قبل خمس دقائق من نهاية الوقت الأصلي) ما جعل انتصارهم أكثر حلاوة في الواقع، رفع الأرجنتينيون لافتة كُتب عليها «جزر الملوين أرجنتينية». وهذا بدون شك أمر لا علاقة له بمجال كرة القدم بتاتاً، وإنما بمجال الجيوسياسة. ولا شك أنه إذا كانت هناك مباراة في كأس العالم تتساوى فيها الرهانات الجيوسياسية مع التحدي الرياضي، فهي المباراة بين إنجلترا والأرجنتين.
الحلقة الأولى: 1966. أقيمت بطولة كأس العالم في إنجلترا، وشهدت مواجهة إقصائية بين المنتخبين. خلال المباراة، طرد الحكم الألماني قائدَ منتخب الأرجنتين، راتين، ولم تكن البطاقات الملونة حينها قد استحدثت بعد. إذ لم تبتكر البطاقات الحمراء والصفراء إلا لاحقاً، وذلك بهدف جعل قرارات الحكام أكثر وضوحاً. لكن قائد المنتخب الأرجنتيني لم يفهم أنه طُرد، فاستغرق الأمر نحو عشر دقائق قبل أن يغادر الملعب، ثم احتج على قرار الحكم، ما دفع الجمهور لإطلاق صافرات الاستهجان ضده. وعلى الجانب الآخر، انتقد مدرب إنجلترا، ألف رامسي، الأرجنتينيين ومنع لاعبيه من تبادل القمصان معهم.
في نظر الأرجنتينيين، كانت هذه الحادثة مؤشراً على مؤامرة بين قوتين غربيتين لحرمان دولة من الجنوب من الفوز رغم تفوقها الكروي. أما الإنجليز، فكانوا يرون أن الأرجنتينيين يفتقرون للروح الرياضية ويلعبون بخشونة وعنف.
الحلقة الثانية حدثت في كأس العالم 1986 بالمكسيك. وفي غضون ذلك، وقع حدث تاريخي كبير هو حرب جزر الملوين عام 1982. والملوين أرخبيل يقطنه نحو 1700 نسمة، ويخضع للسيادة البريطانية. ويقع الأرخبيل على بعد آلاف الكيلومترات من سواحل المملكة المتحدة، ولكنه قريب من السواحل الأرجنتينية. وتطالب الأرجنتين بالسيادة على هذه الجزر منذ زمن طويل، ويطلق عليها الأرجنتينيون اسم «مالفيناس» بينما يسميها البريطانيون «فوكلاند».
ظن قادة المجلس العسكري الأرجنتيني أن بُعد المسافة سيمنع إنجلترا من التدخل، فقرروا استعادة الأرخبيل بالقوة واجتاحوا الجزر. وهو ما رأت فيه رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر فرصة لاستعادة شعبيتها، فأرسلت أسطولاً حربياً على بعد آلاف الكيلومترات، وهو ما أكسبها لقب «المرأة الحديدية». وانتهت الحرب بهزيمة الأرجنتين، وهو ما مهّد الطريق بعد فترة وجيزة لسقوط المجلس العسكري الحاكم. وقد خلّف هذا الصراع العديد من القتلى ورسخ شعوراً عميقاً بالمرارة لدى الأرجنتينيين تجاه القوى الغربية. وفي عام 1986، وبينما كانت العلاقات الدبلوماسية مقطوعة بين المملكة المتحدة والأرجنتين، التقى المنتخب الإنجليزي نظيره الأرجنتيني مجدداً، وهنا دخل دييغو مارادونا المشهد.
سجل مارادونا هدفين، الأول جاء بيده، وكان الحكم من الأشخاص القلائل في الملعب الذين لم يروا ذلك، فاحتُسب الهدف وسط احتجاجات شديدة من المنتخب البريطاني. ثم سجل هدفاً ثانياً أسطورياً بعدما ركض بالكرة لمسافة 55 متراً وراوغ ستة لاعبين إنجليز، مسجلاً أحد أجمل أهداف كأس العالم، وربما أجملها على الإطلاق، ليقود بذلك الأرجنتين إلى الدور التالي على حساب إنجلترا.
بعد هذه المباراة، صرح مارادونا بأنه يفضل هدفه الأول على الثاني، رغم أن الثاني أذهل العالم بأسره. وكان يرى أن الهدف الأول أفضل لأنه كان أشبه بـ«نشل محفظة من جيب إنجليزي». وهذه الرغبة في الانتقام المرتبطة بحرب الملوين، هي التي تفسر سبب تفضيل مارادونا لهدف جاء بالحيلة على هدف متفرد وفي غاية الروعة سجله لاعب مبدع.
قال مارادونا لاحقاً: «كنا نقول لبعضنا بعضاً إنه لا ينبغي الخلط بين كرة القدم والسياسة، لكن ذلك كان كذباً لأننا لم نكن نفكر إلا في ذلك. وكنا نحمل ضغينة ضد اللاعبين الإنجليز بسبب كل ما حدث، وبسبب كل المعاناة التي تكبدها الشعب الأرجنتيني. قد يبدو الأمر جنونياً، لكننا كنا ندافع عن علمنا، وعن الذين ماتوا والذين نجوا». وأضاف أنه استخدم يده للانتقام من الإنجليز الذين وضعوا أيديهم على جزر الملوين إبان الحرب.
ثم التقى الفريقان مجدداً عام 1998. وسجل مايكل أوين هدفاً رائعاً، لكن ديفيد بيكهام طُرد وشنت عليه الصحافة البريطانية هجوماً حاداً قبل أن يعاد الاعتبار إليه لاحقاً بينما خرجت إنجلترا من البطولة. ثم تواجه المنتخبان من جديد عام 2002.
ومرة أخرى، في نهائي كأس العالم ستكون الأمور الجيوسياسية حاضرة في المباراة النهائية التي ستجمع بين إسبانيا بيدرو سانشيز - الذي يعد الزعيم الأوروبي الأكثر تصميماً على معارضة دونالد ترامب - وأرجنتين خافيير ميلي، الذي يعد أبرز حلفائه في أميركا اللاتينية.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس
إقرأ المزيد


