جريدة الإتحاد - 7/18/2026 9:40:11 PM - GMT (+4 )
لا تحتاج الأوطان إلى أن تطلب الولاء من أبنائها كل يوم، لكنها تحتاج دائماً إلى أن تُذكِّرهم بأن الوطن أمانة، وأن الأمانة لا يحفظها الاعتياد، بل العهد الذي يتجدّد جيلاً بعد جيل. ولهذا، تحرص الدول الراسخة على أن يكون لها يومٌ تستحضر فيه معنى العهد، لا لتُجدِّد ولاءً ثابتاً، بل لتُجدد الوعي بأن قوة الأوطان لا تقوم على ما تحقق في الماضي، وإنما على استعداد أبنائها لحماية منجزاتها وصناعة مستقبلها.
في الحياة العسكرية، ومن واقع تجربة امتدت سنوات طويلة، تعلّمتُ أن قسم الولاء لا ينتهي بمجرد أدائه. فالجندي يقسم مرة واحدة، لكنه يثبتُ صدقَ قَسمِه كلَّ يوم، في انضباطه، وفي أدائه، وفي استعداده للتضحية إذا استدعى الواجب. والقَسم لا يُستعاد لأن أحداً يشك في صدقه، وإنما لأن معناه يجب أن يبقى حاضراً في الضمير قبل أن يبقى في الذاكرة. وهكذا تُبنى الدول أيضاً.
فالأوطان لا تستقر بالقوانين وحدها، ولا تحميها المؤسسات وحدها، وإنما تستمد قوّتها من الثقة المتبادلة بين القيادة والشعب. وعندما تتحول هذه الثقة إلى سلوك يومي، يصبح الولاء مسؤولية، والعمل واجباً، والانتماء ثقافة راسخة لا تهتز مهما اشتدت الظروف.
وهكذا بدأ العهد في دولة الإمارات. فلم يكن الاتحاد الذي أرسى دعائمه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وإخوانه الآباء المؤسِّسون، اتفاقاً سياسياً عابراً، بل كان عهداً على بناء دولة يكون فيها الإنسان أولاً، وتبقى وحدتها أولوية لا يعلو عليها شيء. ومن ذلك العهد الأول، توارثت الأجيال مسؤولية الحفاظ على الوطن، كما توارثت الاعتزاز بقيادته والانتماء إليه.
ولذلك لم تكن العلاقة بين القيادة والشعب في الإمارات بحاجة إلى أن تُختبر في كل مناسبة، فقد أثبتتها المواقف قبل الكلمات، والإنجاز قبل الخطاب، والتكاتف في أوقات التحديات قبل الاحتفاء في أوقات الرخاء. ولم تُبنَ هذه الثقة بالشعارات، بل تراكمت عبر عقود من الوفاء بالوعد والعمل بإخلاص، حتى أصبح الالتفاف حول القيادة نهجاً راسخاً تصنعه القناعة والإيمان بمسيرة وطن أثبت أن الإنجاز هو أصدق صور الوفاء.
واليوم، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، يتواصل هذا العهد بالرؤية نفسها التي تضع الإنسان في قلب التنمية، وتُعزِّز مكانة الإمارات نموذجاً في الاستقرار وصناعة المستقبل. وفي المقابل، يبقى واجب كل مواطن أن يُجدِّد عهده لوطنه بالعمل، والإبداع، والالتزام، والمحافظة على مكتسباته، لأن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بما نقوله، بل بما نقدِّمه.
إن قيمة العهد لا تظهر في أوقات الرخاء، وإنما في اللحظات التي تُختبر فيها الأمم. ففي تلك اللحظات، لا يحمي الوطن اقتصادٌ قوي وحده، ولا مؤسساتٌ متقدمة فحسب، وإنما يحميه شعبٌ يرى في استقرار وطنه مسؤولية شخصية، وفي وحدته أمانة، وفي الالتفاف حول قيادته واجباً وطنياً لا يتغير بتغير الظروف.
ولهذا، فإن يوم العهد ليس يوماً لتجديد الولاء، لأن الولاء الصادق لا ينقطع، وإنما هو يوم لتجديد الإيمان بأن الأوطان لا يحفظها التاريخ وحده، بل يحفظها رجال ونساء يُجدِّدون عهدهم بالعمل قبل القول، وبالإخلاص قبل الشعارات، وبالمسؤولية قبل المطالبة بالحقوق.
العهد الحقيقي لا يُقاس بما نقوله في هذا اليوم، بل بما نفعله في اليوم التالي. فالوطن لا يحتاج إلى من يعلن حبه، بقدر ما يحتاج إلى من يحفظ منجزاته، ويصون وحدته، ويؤدي واجبه بإخلاص. وهكذا يبقى العهد مُتجدِّداً، وتبقى الراية عالية، وتبقى الإمارات تجربةً تُلهم الآخرين، لأنها قامت على رؤيةٍ ثابتة، وعهدٍ صادق بين قيادة وشعب، يتجدد جيلاً بعد جيل.
*لواء ركن طيار متقاعد.
إقرأ المزيد


