جريدة الإتحاد - 7/18/2026 9:45:47 PM - GMT (+4 )
نحمل جميعاً في داخلنا بذور العنصرية بدرجات متفاوتة، ويمكننا قول إنه لم يُصب التاريخ البشري بداءٍ أكثر فتكاً ولا أسرع انتشاراً من العنصرية، تلك الآفة التي تتسلل إلى وعي الإنسان بخفاء.
والعنصرية ليست مجرد سلوك عدواني عابر، بل تشوّه معرفي وسلوكي ومعرفي يجعل الإنسان يرى العالم من خلال عدسة مشوّهة: نحن الأفضل، وهم الأدنى. وما يثير الدهشة حقاً أن معظم المصابين بهذا المرض لا يعترفون به، بل يعيشون في إنكار تام.
يمارسون الاضطهاد ويبكون في آنٍ واحد كضحايا. إنها «مفارقة الضحية». تجد العنصري يصرخ ملء فِيه، ويشتكي مر الشكوى إذا ما شعر بأدنى بادرة تمييز ضده، أو إذا مُست امتيازاته التي يراها حقاً طبيعياً له. لكنه، في الوقت ذاته، وبدم بارد، يغتصب حقوق الآخرين، ويمارس ضدهم التهميش والإقصاء. هذا التناقض القاتل يعود إلى ما يُلق عليه «الإنكار الإسقاطي» أو «العمى الأخلاقي». فالعنصري لا يرى في أفعاله عيباً لأن عقله الباطن قام مسبقاً بـ «شيطنة» الآخر أو «نزع الإنسانية».
وعندما يفقد الآخر إنسانيته في عين العنصري، فإن ظلم هذا الآخر لا يعود جنحة أخلاقية، بل يصبح «ترتيباً طبيعياً للأمور»، بل وواجباً أخلاقياً ودينياً. لذلك، يعجز العنصري تماماً عن رؤية الفجوة الهائلة بين شعاراته المتباكية وبين أفعاله السادية والعنصرية. إذا كانت العنصرية العرقية أو القومية قبيحة، فإن أبشع تجليات هذا المرض في العنصرية التي ترتدي ثوب الدين وتكتسي بالقداسة. هنا، لا يعود العنصري يدافع عن جنسه أو لونه أو اختياراته، بل يدّعي أنه ينفذ «أوامر إلهية» غير قابلة للنقاش. في هذه الحالة، يتحول الجرم إلى عقيدة، ويصبح الإقصاء عبادة.
ويقدم لنا التاريخ القديم والحديث والمعاصر العديد من الأمثلة على ذلك، ففي جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، تم لقرون تبرير نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) عبر تفسيرات ملتوية للنصوص الدينية، تصوّر البيض كشعب مختار والسود كحطب للخدمة. كذلك الطائفية والمذهبية المتطرفة، والتي، في أجزاء كثيرة من عالمنا، تجعل أصحاب بعض المذاهب يشعرون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، وأن الآخر أو الآخرين هم «نجس» أو «ضالين» يستحقون السحق والاستبعاد والذل، وكل ذلك يُفعل باسم الله تعالى والتقرب إليه. عندما تتجلبب العنصرية بالدين، وتستخدم النصوص الدينية لتبرير التمييز، فإنها تلغي العقل تماماً، لأن مراجعة السلوك العنصري هنا تعني- في نظر المريض- مراجعة للذات الإلهية، وهو ما يمنح العنصري حصانة مطلقة ضد تأنيب الضمير. فاضطهاد وقتل المختلف يتحول لعمل أخلاقي، واغتصاب النساء أو أسر السبايا لعمل بطولي، وممارسة التمييز في المناصب ومناحي الحياة كافة إلى عبادة، وظلم المرأة إلى تراث وتقاليد، وسوء معاملة الضعفاء إلى نصاحة، والغش إلى فهلوة، والظلم إلى ذكاء، والاستعلاء إلى امتياز ديني.
يصعب للغاية إيقاظ المريض بالعنصرية لأن كل محاولة لإقناعه عبر المنطق والحوار المباشر هي غالباً معركة خاسرة سلفاً، فالمنطق لا يعمل مع شخص بنيته النفسية قائمة على الوهم والإنكار. الطريقة الأكثر فاعلية لإيقاظ العنصري هي استخدام آليات غير تصادمية للوصول إلى تفكك جدران وهمه ببطء، لأنه لا يمكنك الشفاء من مرض لا يعترف صاحبه بوجوده، ولا يمكنك علاج شخص يرفض الدواء.
يحتاج العلاج لاستخدام آلية «المرآة العاكسة» عبر طرح الأسئلة الموجهة، بدلاً من مهاجمته واتهامه بالعنصرية (مما يجعله يتخذ موقفاً دفاعياً شرساً). يجب استخدم الأسئلة التي تضعه وجهاً لوجه مع تناقضه. فمثلاً إذا اشتكى من تعرضه لسوء معاملة في بلد ما، يجب طرح السؤال عليه: «هل جعلك الظلم تتألم؟ حسناً، هل تعتقد أن الفئة التي يتم ظلمها واضطهادها في بلدك تشعر بنفس هذا الألم؟». هذه النوعية من الأسئلة تهدف لجعل عقله يقوم بالمقارنة دون تدخل خارجي. كما يجب أنسنة الآخر عبر «الصدمة السردية»، لأن العنصرية تعيش على التعميم (كلهم كفار، جميعهم أشرار، كل الغرب فاسد ومنحرف). لكسر هذا، يجب تقريب «الآخر» كفرد له قصة، وعائلة ومشاعر.
الروايات، والأفلام، والقصص الإنسانية الواقعية تملك قدرة سحرية على اختراق الدروع النفسية للعنصري، لأنها تجعله يتعاطف مع «الضحية» كإنسان يشبهه، قبل أن يدرك عقله الواعي أن هذا الإنسان ينتمي للفئة التي يكرهها. نحتاج أخيراً لتفكيك الامتيازات غير المستحقة لأن غالبية العنصريين يخشون خسارة «امتيازاتهم الوهمية». عندما نبين للعنصري- عبر أرقام وحقائق مجردة - أن العدالة وتساوي الفرص لا يعنيان أخذ شيء منه، بل يعنيان مجتمعاً أكثر أماناً وازدهاراً له ولأولاده، فإننا نخفف من روعه وننزع فتيل الخوف الذي يغذي عنصريته.
ولعلى ما قاله السيد المسيح هو أجمل ما قيل في علاج العنصرية: «يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!... وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلَا تَفْطَنُ لَهَا؟» إن الشفاء من جائحة العنصرية يبدأ من اللحظة التي يمتلك فيها الإنسان شجاعة النظر في مرآة ذاته، ليرى التناقض الفج بين دموعه كضحية، وسياطه كجلاد، بين دموع التماسيح عندما يقع عليه ظلم، ومكر الذئاب عندما يظلم الآخرين. إن مواجهة العنصرية لا تبدأ بإدانة الآخرين بقدر ما تبدأ بمراجعة الذات.
فكل مجتمع، وكل فرد، معرّض للوقوع في أشكال من الانحياز لا يدركها. والاعتراف بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو بناء ثقافة ترى الإنسان بإنسانيته، لا بانتمائه أو لونه أو معتقده.
إقرأ المزيد


