كيف تابعنا مونديال 2026؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لم أحضر كأس العالم من الملاعب، وبالتأكيد لم يحضرها معظمكم أيضاً. فرغم أن تلك النُّسخة تبدو الأكبر في تاريخ البطولة، من حيث عدد الدول المشاركة والمباريات التي أُقيمت والمشجّعين الذين دفعوا أموالًا لشراء التذاكر، فإن الغالبية العظمى منا لم تعش أجواء كأس العالم من داخل الملاعب. ومثل أغلب من تابعوا البطولة، سواء بشكل عابر ومتقطع، كنتُ أشاهد المباريات عبر التلفاز.
ومهما بلغ عدد الحضور الفعلي لكأس العالم في الملاعب، فإنه لا يُقارن بالعدد الهائل من مشاهدي المباريات عبر شاشاتهم. ووفقاً لأرقام الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، شاهد نحو 1.5 مليار شخص، أي ما يقرب من خُمس سكان العالم، نهائي كأس العالم عام 2022، ويبدو أن بطولة العام الحالي تجاوزت هذا الرقم. وغالباً ما يتركز الاهتمام على تجربة التواجد الفعلي داخل الملاعب، على المنتخبات المتأهلة، والجماهير الذين يسافرون لتشجيعها، والمشهد الصاخب والمبهج الذي يجمع عشّاق كرة القدم من مختلف أنحاء العالم في مكان واحد وفي وقت واحد. لكن وسط كل هذا الاهتمام، من السهل أن ننسى أن كأس العالم ظاهرة تلفزيونية في الأساس، وربما كانت حدثاً تلفزيونياً في المقام الأول.
ومن هذا المنطلق، جاء بعض أكثر الصور إثارة للاهتمام، التي ظهرت في كأس العالم، من تلك التي التقطتها عدسات مصورين الذين لم يحضروا البطولة. فهؤلاء المصوِّرون لا يقفون على خط التماس لتسجيل الأحداث بعدساتهم المقرّبة بالطريقة التقليدية، بل يجلسون على بُعد مئات أو حتى آلاف الأميال، يلتقطون الصور التي تظهر على شاشات التلفاز. ليحولوا تلك الصور بطريقة مبتكرة وفريدة بصرياً، سواءً أكان ذلك بتصوير الشاشة من خلال كيس ماء، كما فعل مصوّر من باريس، أو بتحويل صورة اللاعب المليئة بالبكسلات إلى مشاهد ضبابية وحالمة تُجسِّد انطباعاً عابراً وغير واضح للهدف أكثر من الهدف نفسه.
وعلى سبيل المثال، تميّزت الصور التي نشرها الفنان البرازيلي غابرييل روليم على إنستغرام بمعالجة بارعة، فقد استخدم كاميرا مُعدّلة لجهاز «غيم بوي» لالتقاط صور لتلفازه، ثم حوّلها إلى رسوم متحركة غريبة ومبهجة، كصورة حرارية بالبكسلات لذكرى مشاهدة كأس العالم، أو صورة المصور المغربي كريم واكاها الرائعة لحارس المرمى المصري مصطفى شوبير، جالساً محبطاً بعد الهزيمة، حيث توحي ضبابية الصورة الرقمية الكئيبة بأنه هو نفسه يتلاشى مع آمال فريقه في التأهل.
أما الفنان جاريد سواريس، المقيم في واشنطن، فيلتقط صوراً للمباريات على شاشة التلفاز، ثم يطبعها بالأبيض والأسود على ورق الطباعة، ويقوم بتجعيد الورق وفرده قبل مسحه ضوئياً، لتُضفي تلك التجاعيد ملمساً لافتاً على صور اللاعبين والمشجّعين في لحظات الفرح والحزن.
وتعود جذور هذا الأسلوب غير المباشر في تصوير الأحداث إلى عقود مضت. ففي ستينيات القرن الماضي، أنجز المصور الأميركي «لي فريدلاندر» سلسلة بعنوان «الشاشات الصغيرة»، صوّر فيها غُرفاً فندقية تظهر داخلها شاشات تلفزيونية تعرض وجوهاً بشرية كأنها أشباح.
وفي سبعينيات القرن الماضي، ومع انتشار التلفاز، ذهب المصور البلجيكي هاري غرويارت أبعد من ذلك. فقد التقطت سلسلته «لقطات تلفزيونية» صوراً مقرّبة ومشوّهة للصور التي تظهر على شاشة التلفاز الخاص به في لندن. وقام بتصوير التغطية التلفزيونية لدورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ عام 1972، ولقطات حية لرحلات أبولو، وبثّ حلقات مسلسل بريطاني شهير. وبمعالجته للشاشة نفسها كموضوع للتصوير، مثّلت السلسلة خطوة فنية جريئة تنتمي إلى تيار ما بعد الحداثة.لكن صور كأس العالم هذه لا تتحدث فقط عن لحظات كرة القدم العابرة التي يشاهدها الملايين. فهي تُعبر عن معنى آخر. فشاشات التلفاز لا تبدو وسيلة تفرض نفسها علينا أو تعزلنا عن العالم، بل تصبح نافذة نطل منها على العالم ونتواصل معه، ويصل من خلالها العالم إلينا. وعندما نرى صور شاشات التلفزيون عن قُرب على هواتفنا عبر إنستغرام، تبدو الصور المقرّبة وكأنها تقدم نموذجاً مختلفاً تماماً عن عالمنا الرقمي المعتاد، ففي الوقت الذي ينغلق فيه كل شخص داخل عالمه الخاص ويتابع محتوى مُصمماً خصيصاً له لتحقيق أكبر قدر ممكن من العائد التجاري، يُشكّل كأس العالم لحظة نادرة يتشارك فيها الناس جميعاً اهتماماً واحداً.


*كاتب وصحفي إيرلندي ومؤلف كتاب «خيط من العنف»، الذي فاز بجائزة أفضل كتاب غير روائي في جوائز الكتاب الإيرلندية لعام 2023.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»



إقرأ المزيد