جريدة الإتحاد - 7/25/2026 11:43:47 PM - GMT (+4 )
عانت الدول العربية وشعوبها طويلاً من حقبة الثوران الديني الإيراني وتدخُّل إيران الآن في حقبة الاستنهاض القومي. في حقبة الثوران الديني انشغلت الدول المستقرّة بالجانب العربي والإسلامي من الثوران وكان ذا شقين: الجانب الأول في التطرف والإرهاب الذي شغل العرب والعالم، وبدأ بهجمة «القاعدة» على الولايات المتحدة والدول العربية والعالم، ثم هجمة «داعش» التي حاولت بدورها إقامة «الخلافة الإسلامية» بالعنف. والجانب الثاني من الانشقاق تمثّل فيما سُمّي «الديمقراطيات الإسلامية»، والتي أُغرم بها الغرب، باعتبارها البديل عن الأصوليات العنيفة. وهكذا وصل بعضها للسُّلطة فيما عُرف زوراً بالربيع العربي، وهي تسميةٌ منحهم إياها الغرب المغترّ والمغرور.
لقد تضاءل العنف أو زال كما زالت ديمقراطياته المدّعاة: لكنّ الثوران الديني الإيراني خلَّف آثاراً عميقةً في الدول والمجتمعات، إذ بالتوازي مع الثوران العنيف مدّت إيران أذرعها الانشقاقية والطائفية في دول الجوار، العراق وسوريا ولبنان واليمن، فدمَّرت بُنى الدول أو استتبعتها. ومنذ مدة يتعاون العرب والدوليون لإنهاء الأذرُع والاستتباع. وكادت سوريا تنجو بعد تغيُّر نظامها السابق وهروب الأذرع الإيرانية. ويراهن الأميركيون والعرب على مساعدة العراق ولبنان في التخلص من الأذرُع الإيرانية. أما اليمن وحوثيوه فهم في حال استعصاءٍ حتى الآن.
ما تخلّصت إيران بعد من رمزية «ولاية الفقيه»، لكنها أُضعفت بمقتل خامنئي، إذ الملحوظ - مع تزايد نفوذ الحرس الثوري والحديث الدائم عن المصلحة الإيرانية - أنّ طهران تدخل مرحلةً جديدة وسط مواجهاتها المستمرة مع الولايات المتحدة. لقد تضاءلت تأثيرات نفوذها الديني والطائفي، واحتاجت بشدة إلى إفهام الشعب الإيراني المنكوب أنّ حكامها العسكريين حريصون على المصالح الإيرانية البحتة، وبخاصةٍ أنها مهدَّدةٌ ليس بالهجمات التدميرية فقط، بل وبالغزو أيضاً.
ما عادت إيران، رغم عودتها لاستخدام الحوثيين باسم الدين والمذهب، قادرةً على رعاية اختراقاتها المذهبية خارج حدودها، ولذلك يلجأ الحرس الثوري، ومن دون تأكيدٍ بارزٍ على الطابع الديني للجمهورية، إلى إبراز الطابع القومي الخاص للبلاد ومصالحها. لقد كنتُ أرى أن الدول الدينية لا تبقى زمانين. فقد انقضى زمن الثوران الديني الذي جلب حكم الملالي، وصارت الدولة الإيرانية مضطرةً لتأكيد حرصها على بقاء إيران القومية قوية وموحّدة. كنتُ أرى أن الدولة الإيرانية الواحدة على الهضبة تجلب معها طموحات إمبراطورية. والآن ما بقي من تلك الطموحات غير محاولة الاستيلاء على مضيق هرمز. كما لم تستطع أميركا التسليم بالنووي، فكذلك لن تستطيع التسليم بالنفوذ الإيراني في هرمز، وبخاصةٍ أن العالم كلَّه ضد إيرانية المضيق الدولي.
إنّ الثوران المذهبي الإيراني كلَّف العالم العربي الكثير، ويحدّث الآن الأمر نفسه مع الاستنهاض القومي بالإقدام الإجرامي على ضرب دول الخليج بلا مبرر غير العجز عن مواجهة أميركا. ترامب كان حريصاً على عدم إشراك إسرائيل أخيراً، إذ يمكن استغلال حضورها عبر النفخ في البوق الديني والطائفي. ولذا ما عاد بيد إيران غير استنهاض العصبية القومية.
في الدِّين كان صعباً على إيران اختراع تاريخٍ آخر للإسلام غير الأصل العربي والتاريخ العربي. ولذا فقد اضطروا إلى نسخ التاريخ أو إلغائه، باستثناء تقديس عدة أفرادٍ منه. أما في الاستنهاض القومي فالتاريخ مسرحٌ واسعٌ لأنهم يُدخلون فيه ألفي عام من المجد الإيراني قبل الإسلام، حين كان الإيرانيون يعتدون على العرب.
وعلى أي حال فإن الإلغائية الخمينية ضربت مشاعر وعواطف الكثيرين من ذوي الميول الوطنية والقومية، ويظن عسكريو الحرس الثوري أن هذا الفريق سيرتاح، كما ترتاح النسوة اللواتي ما عدن يركّزن على حجابهنّ. الاستنهاض القومي بعد الثوران الديني بلاءٌ كبيرٌ على الشعب الإيراني وعلى الجوار الإيراني.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية
إقرأ المزيد


