جريدة الإتحاد - 8/1/2026 11:39:34 PM - GMT (+4 )
كثيراً ما يردد الآباء والأمهات من الجيل إكس أن أبناء الجيل الحديث لم يعودوا يرتادون دور السينما كما كان الحال على أيامهم، فهم لا يفارقون هواتفهم. ويستند هذا الحنين إلى الماضي إلى شيء من الواقع. فأثناء طفولة ومراهقة أبناء الجيل إكس، وقبلهم جيل طفرة المواليد، كان ارتياد السينما هو الترفيه المفضل. واليوم، تُشكل السينما جزءاً من أجمل ذكريات طفولتهم.
وأتذكر دهشتي وأنا أشاهد فيلم «إي.تي.» مع والدي في طفولتي، حتى إنني صرخت بقوة عندما ظهر الكائن الفضائي من بين حقول الذرة، فظنت والدتي أن شيئاً قد لدغني. وأتذكر انبهاري بمدى واقعية الديناصورات في «جوراسيك بارك»، ثم التأثير العميق الذي تركه فيلم «هوب دريمز» في نفسي، حتى شعرت أن نظرتي إلى العالم لن تعود كما كانت. وما إن أغمض عيني حتى أجد نفسي أعيش تلك اللحظات من جديد. وكانت السينما آنذاك جزءاً من حياتنا.
لكن الواقع اليوم مختلف. فالإقبال على السينما لم يتراجع لأن الشباب توقفوا عن ارتيادها، بل لأن الأجيال الأكبر سناً هي التي ابتعدت عنها. وكشف استطلاع أجرته شركة «فاندانغو» الأميركية للخدمات الرقمية في حجز تذاكر السينما وخدمات البث المنزلي، في يناير الماضي أن 87% من جيل زد و82% من جيل الألفية شاهدوا فيلماً واحداً على الأقل في السينما عام 2025، بمعدل سبع زيارات سنوياً لكل فئة. لكن جيل إكس لم يقترب من تلك النسب، حيث سجل 70%، وسجل جيل طفرة المواليد 58%، رغم أنهم لديهم ذكريات جميلة عن السينما، ويشتكون دائماً من جيل اليوم. إذن المشكلة ليست في الشباب، بل في كبار السن.
ويتجلى هذا الاهتمام المتزايد بوضوح في النجاحات الأخيرة لفيلمي رعب منخفضي الميزانية من إخراج مخرجين في العشرينات من عمرهما: «الغرف الخلفية» من إخراج كين بارسونز، البالغ 20 عاماً، و«هوس» من إخراج كاري باركر البالغ 26 عاماً. وهناك أيضاً، بالطبع، فيلم «الأوديسة»، أصبح بالفعل واحداً من أنجح الأفلام في شباك التذاكر، والفيلم المرتقب «الرجل العنكبوت: يوم جديد تماماً». أما الأفلام التي لم تحقق النجاح المتوقع هذا الصيف فهي أفلام كلاسيكية تحمل أسماء لامعة، وموجهة في معظمها إلى جمهور أكبر سناً مثل «الفتاة الخارقة»، و«حرب النجوم: الماندالوري وغروغو»، و«سادة الكون». فجميعها خُصصت لجمهور هو نفسه الذي تراجع عن ارتياد دور السينما.
وكلما أدركت هوليوود وجود توجه شبابي في صناعة السينما كانت النتيجة أفلاماً جيدة، بل وثورية. واستجابت استوديوهات هوليوود لنجاح فيلمي «إيزي رايدر» و«ذا غرادويت» بإطلاق العنان لمخرجين شباب موهوبين مثل فرانسيس فورد كوبولا، ومارتن سكورسيزي، وروبرت ألتمان، الذين أنتجوا بعضاً من أعظم الأفلام الأميركية على الإطلاق. وشهدت الساحة السينمائية المستقلة في التسعينيات ثورة مماثلة، مع بروز أسماء مثل كوينتين تارانتينو، وبول توماس أندرسون، وستيفن سودربيرغ. وهكذا تتحلى هوليوود بالقدرة على تجديد حيويتها، وغالبًا ما تعتمد على الشباب لتحقيق ذلك. وبصفتي أحد أبناء جيل إكس، أناشد أبناء جيلي العودة إلى جذورهم السينمائية، لأنهم يفوتون على أنفسهم روائع سينمائية.
أقدم برنامجاً صوتياً أسبوعياً عن السينما مع صديق طفولتي، الناقد السينمائي تيم غريرسون، وهو ما يتيح لي متابعة معظم الأفلام الجديدة. وأرى أن الاعتقاد بأن أفلام الماضي كانت أفضل ليس دقيقاً، فهناك كم هائل من الأفلام الرائعة في عصرنا الحالي. ولطالما شهد تاريخ هوليوود أن ازدهار التوجهات الشبابية كان نقطة تحول في صناعة السينما. فكلما أدركت الاستوديوهات أن جيلاً جديداً بدأ يفرض حضوره سارعت إلى منحه الفرصة، وكانت النتيجة ظهور أعمال تركت بصمة في تاريخ السينما.
في الشهر الماضي فقط، شاهدتُ فيلماً كوميدياً كندياً رائعاً عن السفر عبر الزمن، وآخر تايلاندياً درامياً سريالياً يتناول التواطؤ السياسي بطريقة غير مألوفة، إلى جانب فيلم خيال علمي وإثارة بريطاني تدور أحداثه حول قارب مسكون، وقد صُور باستخدام كاميرا قديمة لا يمكنها التصوير لأكثر من 27 ثانية في المرة الواحدة. كما شاهدت فيلم «الأوديسة»، الذي كان بدوره عملاً مميزاً. ويمكن ذكر عشرات الأفلام الأخرى التي تستحق المشاهدة، فالمشكلة ليست في تراجع جودة الإنتاج السينمائي، وإنما في أن الأجيال الأكبر سناً لم تعد تبحث عن هذه الأفلام أو تحرص على مشاهدتها في دور السينما. وهذا هو التغيير الحقيقي.
والمفارقة أنني أرى والديّ يقضيان وقتاً على هواتفهما أكثر مما يفعل أطفالي. وبصفتي أباً، أفهم كيف وصلنا إلى هذه المرحلة. فعندما كان أطفالي صغاراً، لم أكن أرتاد دور السينما باستمرار، فمع مرور الوقت تتغير ظروف الحياة وتتبدل الأولويات. لكننا نظلم أنفسنا عندما نفترض أنه لم يعد هناك ما يستحق المشاهدة. فمشكلة الحنين إلى الماضي لا تقتصر على أنه يجعل الماضي يبدو أجمل مما كان، بل تمتد إلى تصوير الحاضر على أنه أسوأ مما هو عليه في الواقع. ولا تزال دور السينما تعرض الكثير من الأفلام الجيدة. اسألوا أبناءكم أو أحفادكم، فهم يدركون ذلك، ولهذا لا يزالون يقصدون دور العرض، تماماً كما كنتم تفعلون في شبابكم.لذلك، اترك هاتفك جانباً أيها الجد، وعد إلى السينما. ستجد هناك فيلماً جديداً قد يدهشك، وربما تستعيد شيئاً من حماسة الشباب.
*مؤلف كتاب «رحلة لويد ماكنيل الأخيرة»، ومحرر مساهم في مجلة نيويورك، ومؤسس موقع «ديدسبين».
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


