جريدة الإتحاد - 8/8/2026 11:06:51 PM - GMT (+4 )
في كل صيف، تترقب دول المنطقة موسم الأحمال الكهربائية المرتفعة، حيث تتزايد الضغوط على شبكات الكهرباء والمياه بسبب درجات الحرارة القياسية والارتفاع الكبير في معدّلات الاستهلاك. إلا أن ما تحقق في دولة الكويت هذا العام يستحق أن يُسجل كإنجاز وطني بارز، بعدما نجحت وزارةُ الكهرباء والماء والطاقة المتجدّدة في تجاوز منتصف فصل الصيف دون انقطاعات تُذكر، وهو نجاح يعكس ثمرةَ التخطيط السليم والإدارة الواعية والاستعداد المبكر لمواجهة مختلف التحديات. لقد أثبتت الكويتُ أن النجاح لا يتحقق بردود الأفعال، وإنما من خلال العمل المؤسّسي القائم على الرؤية الواضحة والخطط الاستباقية. فقد سبقت الوزارةُ موسمَ الصيف بأعمال الصيانة الدورية لمحطات الإنتاج وشبكات النقل والتوزيع، وعزّزت جاهزيةَ فِرقها الفنية والهندسية، كما وضعت برامج تشغيل مرنة تتناسب مع الزيادة الكبيرة في الأحمال الكهربائية، الأمر الذي أسهم في المحافظة على استقرار الشبكة الكهربائية وتقديم الخدمة للمستهلكين بكفاءة عالية.
ولعل من أهم عوامل نجاح تلك الحملة الوطنية الشاملة التي أطلقتها السلطات المعنية لترشيد استهلاك الكهرباء والمياه، عدم اقتصارها على نشر الرسائل التوعوية عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بل امتدت إلى مخاطبة جميع الجهات الحكومية والهيئات والمؤسسات العامة، إضافةً إلى مؤسسات القطاع الخاص، لحثّها على تطبيق إجراءات الترشيد، وخاصةً خلال ساعات الذروة. وأثبتت هذه الخطوات أن نشرَ الوعي المجتمعي يُعد أحدَ أهم أدوات حماية الموارد الوطنية، وأن المواطن والمقيم شريكان أساسيان في الحفاظ على استقرار منظومة الطاقة.
ويزداد هذا النجاح أهميةً إذا ما وضعناه في إطار الظروف الإقليمية التي تمرُّ بها المنطقة. فالتوترات العسكرية جراء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقها من مخاوف على أمن الطاقة وسلامة البنية التحتية، إضافة إلى الاعتداءات التي استهدفت منشآت الطاقة في المنطقة، فرضت تحديات كبيرة بالنسبة لدول الخليج. ومع ذلك، استطاعت الكويت أن تؤكد جاهزيةَ مؤسساتها وقدرتها على إدارة المرافق الحيوية بكفاءة ومسؤولية، وهو ما يعزّز الثقةَ في قوة البنية التحتية الوطنية وحُسن استعدادها للتعامل مع مختلف السيناريوهات.
ومن شأن هذا الإنجاز أن يبعث برسالة واضحة مفادها أن الاستثمار في تطوير قطاع الكهرباء والمياه، إلى جانب ترسيخ ثقافة الترشيد، يمثّلان ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الوطني، لأن أمن الطاقة لا يقل أهمية عن الأمن الغذائي أو الأمن الصحي، بل إنه يمثّل أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والتنمية المستدامة. ومن هنا، فإن ما تحقق لا ينبغي أن يكون نهايةَ المطاف، بل هو بدايةٌ لمرحلة جديدة من التطوير المستمر، تشمل التوسع في مشاريع إنتاج الكهرباء، والاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة، وتعزيز كفاءة الشبكات، وتبنِّي أحدث التقنيات الذكية لإدارة الأحمال، بما يضمن استدامة هذا النجاح في السنوات المقبلة.
وكما ينبغي توجيه الشكر والتقدير إلى وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة، وإلى القيادات التنفيذية فيها، وجميع المهندسين والفنيين والإداريين والعاملين في الوزارة، الذين عملوا بروح الفريق الواحد، وقدّموا نموذجاً في الإخلاص وتحمُّل المسؤولية.. كذلك يستحق المواطنون الكويتيون والمقيمون على أرض الكويت الشكرَ على استجابتهم الواعية والمسؤولة لرسائل الترشيد وتعاونهم مع جهود السلطات المعنية.
إن هذا النجاح يؤكد أن الكويت تمتلك الكفاءات والخبرات القادرة على تحويل التحديات إلى إنجازات، وأن العمل المخلص والتخطيط السليم والتعاون بين القطاعات الحكومية والمجتمع كفيل بتحقيق المزيد من النجاحات، مهما كانت الظروف الإقليمية والدولية المحيطة.
*كاتب كويتي
إقرأ المزيد


